يشهد العالم حاليًا واحدة من أكبر موجات التهافت على حيازة الذهب في التاريخ الحديث، حيث سجلت أسعار المعدن الأصفر ارتفاعًا قياسيًا تجاوز 265% منذ مطلع عام 2020.
ويعكس هذا التحول الجذري سعي المصارف المركزية لتحويل السبائك من مجرد أداة للتحوط إلى أصل استراتيجي لمواجهة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وتقلبات العملات، فضلًا عن الجهود الدولية المتنامية للتنويع بعيدًا عن هيمنة الدولار الأمريكي.
الذهب كمرتكز استراتيجي في السياسات النقدية
تظهر البيانات الصادرة عن مجلس الذهب العالمي أن القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا وأوروبا الشرقية تقود حاليًا مشهد الشراء العالمي، فقد تصدرت الصين قائمة الدول الأكثر شراءً للمعدن النفيس، حيث أضافت إلى احتياطياتها ما يتجاوز 357 طنًا.
ويتماشى هذا التوجه الصيني مع سياسة بكين طويلة الأمد لتقليل الاعتماد على الأنظمة المالية الغربية وتعزيز دور الذهب كمرساة سياسية محايدة داخل احتياطياتها.
وتأتي بولندا في المرتبة الثانية بفارق ضئيل، إذ عززت احتياطياتها بمقدار 314.6 طنًا ضمن استراتيجية وطنية لتعزيز الأمن النقدي.
وبذات الوتيرة المتسارعة، حلت تركيا والهند في مراتب متقدمة بإضافات بلغت 251.8 طنًا و245.3 طنًا على التوالي؛ حيث يمثل الذهب لهاتين الدولتين وسيلة حيوية لمواجهة ضغوط التضخم المستمرة وتدهور قيمة العملات المحلية.
وتشير البيانات أن الأسواق الناشئة لم تكن بمعزل عن هذا الحراك؛ فقد رفعت البرازيل حيازتها بأكثر من 105 أطنان، بينما سجلت أذربيجان زيادة قدرها 83.6 طنًا عبر صندوق النفط التابع للدولة.
كما لحقت اليابان وتايلاند والمجر وسنغافورة بركب المشترين، بمعدلات نمو تراوحت بين 77 و80 طنًا، مما يؤكد الإجماع العالمي على أهمية المعدن الأصفر كأصل استقراري في فترات الغموض الاقتصادي.
وبخلاف موجة الشراء العارمة، اختارت مجموعة صغيرة من الدول تقليص حيازتها من الذهب وفق أولويات نقدية مختلفة، فقد سجلت الفلبين أكبر تراجع عالمي في الاحتياطيات بنقص قدره 65.2 طنًا، وتبعتها كازاخستان التي خفضت مخزونها بمقدار 52.4 طنًا.
ويربط المحللون هذه التحركات بضغوط السيولة المحلية أو الرغبة في إعادة توازن الاحتياطيات خلال فترات الأزمات الاقتصادية، كما ظهر في حالة سريلانكا التي قلصت حيازتها بنحو 19.1 طنًا.
ويقترب إجمالي ما أضافته أكبر 15 دولة مشترية من 2000 طن، مما يشير إلى تحول بنيوي في استراتيجيات القطاع الرسمي العالمي.
ورغم أن بعض الدول مثل ألمانيا ومنغوليا والمنطقة الأوروبية سجلت مبيعات محدودة، إلا أن الاتجاه العام يظل مائلًا بقوة نحو تكديس الذهب كضمانة أخيرة في ظل نظام مالي عالمي يزداد تعقيدًا.










