كشفت دراسة حديثة أجراها علماء بيانات في جامعة ستانفورد، اعتمادا على تحليل 14.4 مليار سجل تأمين صحي لأكثر من 244 مليون أمريكي، أن الطرق التقليدية المستخدمة في الأبحاث قد تبالغ في تقدير الآثار الصحية طويلة الأمد المنسوبة إلى الإصابة بكوفيد-19، مشيرة إلى أن تصميم الدراسة يؤثر بشكل كبير في النتائج التي يمكن نسبها إلى الفيروس.

نتائج كوفيد طويل الأمد

ووجدت الدراسة التي نُشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، أن تصميمها البحثي الجديد رصد نتائج صحية منسوبة إلى كوفيد طويل الأمد أقل بنسبة 98% خلال الفترة من أربعة إلى 12 شهرا بعد الإصابة، مقارنة بالأساليب التقليدية المطبقة على مجموعة البيانات نفسها.

وأكد يوري ليسكوفيك، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة ستانفورد والمؤلف المشارك الرئيسي للدراسة، أن هذه النتيجة لا تعني انخفاض انتشار كوفيد طويل الأمد بنسبة 98%، بل توضح أن طريقة تصميم الأبحاث تؤثر بشكل جذري في تحديد الآثار الصحية التي يمكن نسبها إلى الفيروس بدرجة موثوقة.

وأشار الباحثون إلى أن ضخامة البيانات لا تضمن وحدها الوصول إلى نتائج صحيحة، إذ قد تؤدي التحيزات في تصميم الدراسة إلى استنتاجات دقيقة إحصائيا، لكنها تجيب عن سؤال غير صحيح.

الدراسات السابقة وتقدير الآثار الصحية

بدأ حامد نيلفوروشان، طالب الدكتوراه في علوم الحاسوب والمؤلف الأول للدراسة، بمحاولة إعادة إنتاج نتائج أبحاث سابقة حول كوفيد طويل الأمد، وتمكن من الوصول إلى النتائج نفسها عند استخدام المنهجيات ذاتها.

لكن عندما اختبر ما إذا كانت هذه المنهجيات تنسب إلى الفيروس أحداثا غير متوقعة، مثل التعرض للصواعق أو عضات الكلاب أو الإصابات بطلقات نارية، وجد ارتباطات غير منطقية، ما دفع الفريق إلى إعادة النظر في تصميم الدراسات.

وتكمن المشكلة في ما يعرف بـ"التحيز المُربك"، الذي يحدث عندما توجد اختلافات منهجية بين المجموعات التي تجري مقارنتها، وتؤثر هذه الاختلافات في النتائج.

فقد قارنت دراسات سابقة بين أشخاص ثبتت إصابتهم بكوفيد-19 وآخرين لم يسبق تشخيصهم بالمرض، بمن فيهم أشخاص لم يخضعوا للاختبار أساسا. لكن الأشخاص الذين يخضعون للفحوص قد يختلفون عن غيرهم في حالتهم الصحية الأساسية أو معدل طلبهم للرعاية الطبية، وهو ما قد يؤدي إلى ربط مشكلات صحية لاحقة بالفيروس على نحو مضلل.

منهج جديد لاختبار النتائج الصحية

لتقليل هذا التحيز، اختار الباحثون أشخاصا خضعوا لأول اختبار بتقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) للكشف عن كوفيد-19، ثم قارنوا النتائج الصحية طويلة الأمد بين من جاءت نتائجهم إيجابية ومن جاءت نتائجهم سلبية.

واستخدم الفريق كذلك ما يعرف بـ"الضوابط السلبية"، وهي اختبارات تساعد في التحقق من أن المنهجية لا تنسب إلى الفيروس نتائج لا يُتوقع أن تكون مرتبطة به. وبعد تطبيق هذه الضوابط، لم تعد الأحداث غير المنطقية، مثل عضات الكلاب والإصابات بطلقات نارية، تظهر ضمن النتائج المنسوبة إلى كوفيد طويل الأمد.

وشملت أبرز الآثار الصحية التي تحقّق منها الباحثون اعتلال العضلات، والالتهاب الرئوي غير السلي، ومشكلات الجهاز التنفسي، واسترواح الصدر، وهو تجمع الهواء في الحيز المحيط بالرئة.

وقال ستيفان واغر، الأستاذ المشارك في كلية ستانفورد للدراسات العليا في إدارة الأعمال والمؤلف المشارك الرئيسي للدراسة، إن الفريق استخدم تصميم "الضبط الاصطناعي"، وهو أسلوب شائع في الاقتصاد والعلوم الاجتماعية لمواءمة السجلات والتاريخ الصحي بين مجموعات المقارنة.

ما الذي تعنيه النتائج للمرضى والأطباء؟

يُقصد بكوفيد طويل الأمد استمرار آثار صحية بعد انقضاء العدوى، وقد تشمل تشوش الذهن، والإرهاق، والدوار، وتسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، وألم الصدر. ويمكن أن تستمر هذه الأعراض لأشهر، وفي بعض الحالات لعام أو أكثر، مع تأثيرها في أجهزة متعددة بالجسم.

ولا تعني نتائج الدراسة أن هذه الحالة غير موجودة أو أن معاناة المرضى أقل مما كان يُعتقد؛ إذ تشير إلى أن المخاطر الصحية الإضافية التي يمكن نسبها إلى كوفيد-19 تتراجع على مستوى السكان بوتيرة أسرع مما قدرته بعض الدراسات السابقة، مع استمرار الأعراض لدى بعض المرضى لفترات طويلة.

كما حذر الباحثون من أن سجلات التأمين الصحي لا ترصد بالضرورة جميع تجارب المرضى، خصوصا الأعراض مثل الإرهاق والصعوبات الإدراكية التي قد لا تُشخّص أو لا تُسجّل في هذه البيانات. وأكد ليسكوفيك أن نتائج الدراسة ينبغي أن تُكمل التقييمات السريرية التي يجريها الأطباء، لا أن تحل محلها، مشيرا إلى أن المنهجية الجديدة قد تساعد الباحثين على مراجعة الدراسات السابقة وتحسين تصميم الأبحاث المستقبلية في مجال الصحة العامة.