لم تعد المضادات الحيوية قادرة على إنقاذ جميع المرضى كما كان يحدث في السابق، مع تزايد مقاومة البكتيريا للأدوية وتراجع فعالية علاجات أساسية، وبينما انخفضت الوفيات المرتبطة بهذه المقاومة بين الأطفال الصغار خلال العقود الماضية، ارتفعت بصورة لافتة بين كبار السن، في مفارقة تكشف تحولًا في الفئات الأكثر تضررًا من الأزمة.

وبحسب تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية في أكتوبر 2025، كانت واحدة من كل 6 حالات عدوى بكتيرية مؤكدة مختبريًا حول العالم مقاومة للمضادات الحيوية خلال عام 2023، في وقت تتزايد فيه المقاومة بوتيرة أسرع من تطوير علاجات جديدة.

أرقام تكشف تحولًا في ضحايا مقاومة المضادات

كشفت دراسة نُشرت في مجلة "The Lancet" في سبتمبر 2024، وحللت بيانات 204 دول وأقاليم خلال الفترة من 1990 إلى 2021، عن اختلاف واضح في اتجاهات الوفيات المرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات بحسب العمر.

ووفقًا للدراسة، انخفضت الوفيات المرتبطة بالمقاومة بأكثر من 50% بين الأطفال دون الخامسة، بينما ارتفعت بأكثر من 80% بين البالغين الذين تبلغ أعمارهم 70 عامًا فأكثر. وقدرت الدراسة أن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية ارتبطت بنحو 4.71 مليون وفاة عالميًا في عام 2021، من بينها 1.14 مليون وفاة نُسبت مباشرة إلى المقاومة.

ولا تعني هذه الأرقام أن الأطفال أصبحوا بمنأى عن الخطر، أو أن جميع كبار السن يواجهون المصير نفسه، لكنها تشير إلى تحول كبير في العبء الصحي للمقاومة، مع تزايد تأثيرها على الفئات الأكبر سنًا.

لماذا يواجه كبار السن خطرًا أكبر؟

ترتبط هذه الفجوة بعوامل عدة، من بينها التقدم في العمر وزيادة القابلية للإصابة بالعدوى، إلى جانب التغيرات الديموغرافية الناتجة عن ارتفاع أعداد كبار السن. وتشير دراسة "The Lancet" إلى أن هذه العوامل ساهمت في زيادة الوفيات المرتبطة بمقاومة المضادات الحيوية لدى من تجاوزوا السبعين.

وتزداد خطورة المشكلة عندما تصبح العدوى مقاومة للعلاج، إذ تضيق الخيارات المتاحة أمام الأطباء، وقد يحتاج المريض إلى الإقامة في المستشفى لفترات أطول أو إلى علاجات بديلة أكثر تعقيدًا. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن مقاومة المضادات الحيوية لا تعني أن جسم الإنسان أصبح مقاومًا للدواء، بل إن البكتيريا المسببة للعدوى لم تعد تستجيب للعلاج الذي كان قادرًا على القضاء عليها أو الحد من نموها.

وتُعد إساءة استخدام المضادات الحيوية والإفراط في تناولها من أبرز العوامل التي تدفع ظهور المقاومة وانتشارها، إلى جانب قصور الوقاية من العدوى ومحدودية الوصول إلى وسائل التشخيص والعلاجات المناسبة.

علاجات جديدة لا تواكب سرعة المقاومة

تتفاقم الأزمة مع محدودية تطوير مضادات حيوية جديدة قادرة على مواجهة البكتيريا المقاومة. ففي تقرير صدر في أكتوبر 2025، قالت منظمة الصحة العالمية إن عدد المضادات البكتيرية الموجودة في مراحل التطوير السريري تراجع من 97 علاجًا في عام 2023 إلى 90 في عام 2025، ولم يستوفِ معايير الابتكار سوى 15 علاجًا من بينها.

كما حذرت المنظمة من وجود فجوات في وسائل التشخيص، خصوصًا الاختبارات القادرة على التمييز بين العدوى البكتيرية والفيروسية وتحديد مدى استجابة البكتيريا للمضادات الحيوية. ويؤدي غياب هذه الأدوات إلى صعوبة اختيار العلاج المناسب في الوقت الملائم.

ولا تقتصر المواجهة على ابتكار أدوية جديدة، بل تشمل أيضًا تحسين التشخيص، والحد من الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية، وتعزيز الوقاية من العدوى وتوفير العلاجات الفعالة للمرضى.

وتحذر نتائج دراسة "The Lancet" من أن الوفيات المنسوبة مباشرة إلى مقاومة مضادات الميكروبات قد تصل إلى نحو 1.91 مليون وفاة سنويًا بحلول عام 2050 وفق السيناريو المرجعي للدراسة. وفي المقابل، تشير تقديراتها إلى إمكانية تجنب 92 مليون وفاة تراكميًا بين عامي 2025 و2050 من خلال تحسين رعاية العدوى الشديدة وتوسيع الوصول إلى المضادات الحيوية المناسبة.

وبينما تتراجع فعالية بعض الأدوية وتتزايد المخاطر على كبار السن، تصبح سرعة التشخيص والاستخدام المسؤول للمضادات الحيوية وتطوير علاجات مبتكرة عوامل أساسية للحفاظ على قدرة الطب الحديث على مواجهة العدوى.