قد يحمل الوجه إشارات لا يلتقطها الطبيب بسهولة في لحظة عابرة. هذا ما تراهن عليه دراسة جديدة استخدمت الذكاء الاصطناعي لتحليل صور وجوه مرضى السرطان، ومحاولة تقدير احتمال وفاتهم. لكن الباحثين لا يقدّمون التقنية بوصفها حكمًا نهائيًا، ولا يرونها جاهزة للاستخدام في العيادات؛ إنها محاولة مبكرة لتحويل الانطباع الذي قد يكون لدى الطبيب عن حالة مريضه إلى أداة أكثر موضوعية.
من الانطباع الطبي إلى تحليل الصورة
يقول راي ماك، اختصاصي علاج الأورام الإشعاعي في معهد ماساتشوستس العام بريغهام للسرطان، في تصريح نقله موقع Scientific American، إن الأطباء يتعلمون منذ دراستهم أن يكوّنوا انطباعًا عن مدى صحة المريض أو ضعفه أو مرضه بمجرد رؤيته. وقد يؤثر هذا الانطباع في القرارات المتعلقة بالعلاج، من الجراحة إلى العلاج الكيميائي والإشعاعي.
لكن هذا التقدير، كما يلفت ماك، يبقى ذاتيًا. لذلك عمل هو وزملاؤه على تدريب خوارزمية لتحليل نحو 40 مليون صورة لوجوه، من دون تكليفها بمهمة محددة في البداية. ثم عدّلوا النموذج ليؤدي مهمتين: تقدير العمر البيولوجي للشخص، والتنبؤ باحتمالات بقاء مرضى السرطان.
نتائج لافتة.. لكنها ليست يقينًا
في مجموعة اختبار ضمت 3820 مريضًا بالسرطان، توفي 64 شخصًا من أصل 122 ممن حصلوا على أعلى درجات الخطورة، وذلك خلال 90 يومًا من التقاط صورهم. وفي مجموعة اختبار أخرى شملت أكثر من 38 ألف مريض، ارتبط ظهور الشخص أكبر سنًا من عمره الحقيقي بارتفاع خطر الوفاة.
ووصف الباحثون دراستهم، المنشورة في مجلة Lancet Digital Health، بأنها أول تقرير ــ بحسب علمهم ــ عن خوارزمية ذكاء اصطناعي تتنبأ ببقاء مريض السرطان على قيد الحياة انطلاقًا من صورة بسيطة لوجهه.
مع ذلك، لا تعني هذه الأرقام أن الصورة تحدد مصير المريض. فالنتائج تشير إلى ارتباط بين درجات النموذج واحتمالات الوفاة ضمن مجموعات الدراسة، لا إلى تنبؤ مؤكد بمآل كل فرد.
ما الذي تراه الخوارزمية؟
لم يكتف الفريق بقياس أداء النموذج، بل حاول تتبع المناطق التي يركّز عليها أثناء التحليل. ففي تقدير العمر، برزت طيات الوجه الممتدة بين الأنف والفم وأجزاء من الجبهة. أما عند تقدير خطر الوفاة، فتركز الانتباه على جسر الأنف والمناطق أسفل العينين.
ولا يعرف الباحثون حتى الآن لماذا ارتبطت هذه المناطق تحديدًا بتقدير الخطر. ويقول ماك إن الجمع بين درجة «عمر الوجه» ودرجة البقاء على قيد الحياة ضمن نموذج سريري للتنبؤ أدى إلى نتائج أفضل من استخدام أي منهما وحده.
وقد تكون الخوارزمية تلتقط بعض الآثار المعروفة على المظهر؛ فبحسب ماك، كان المدخنون أكثر ميلًا إلى الظهور أكبر سنًا من أعمارهم، وكذلك من يفرطون في شرب الكحول. كما لم تتأثر تقديرات العمر، وفق ما أورده الفريق، بوضوح بتغيّر تعابير الوجه أو الإضاءة أو استخدام مستحضرات التجميل. وتمكن النموذج من التعامل مع بعض أشكال جراحات التجميل، باستثناء عمليات تجميل الأنف؛ إذ مال إلى تصنيف الأشخاص الذين خضعوا لها على أنهم أكبر سنًا قليلًا في الصور الملتقطة بعد العملية مقارنة بصورهم قبلها.
أداة محتملة.. وأسئلة أخلاقية
يأمل ماك أن يصبح من الممكن استخدام نموذج كهذا مستقبلًا بوصفه معلومة إضافية تساعد الأطباء والمرضى على اتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن العلاج ورعاية نهاية الحياة. وقد يُستخدم أيضًا، وفق طرحه، كوسيلة إنذار مبكر إذا بدا أن المريض يشيخ بوتيرة أسرع من المتوقع.
لكن الطريق إلى ذلك لا يزال طويلًا. فقد دُرّب نموذج البقاء على قيد الحياة على بيانات لمرضى من منطقة بوسطن، وكان معظمهم من ذوي البشرة البيضاء. ويعمل الباحثون على توسيع بيانات التدريب لتشمل تنوعًا أكبر في الوجوه.
كما أن إدخال أداة كهذه في قرارات العلاج يثير مخاوف من عواقب الخطأ. ويحذر ماثيو لياو، أستاذ ومدير مركز أخلاقيات الطب الحيوي في جامعة نيويورك، من أن الخوارزمية قد تصنّف بعض المرضى خطأً على أنهم أقل عرضة للخطر، ما قد يؤدي إلى حرمانهم من رعاية يحتاجون إليها. ويطرح أيضًا احتمال استخدام شركات التأمين أو أصحاب العمل لهذه التقنيات في قرارات التغطية أو التوظيف.
ما زالت بعيدة عن العيادة
يقرّ ماك بأن النموذج غير جاهز حاليًا للاستخدام السريري، وأنه يحتاج إلى مزيد من التطوير والاختبارات. وبينما يرى الباحثون إمكانات جديدة لتحليل الوجه في الطب، تظل الفكرة محاطة بسؤال أساسي: كيف يمكن الاستفادة من هذه التقديرات من دون تحويلها إلى حكم قاطع على المريض؟




