يحرص كثيرون على بدء يومهم بفنجان من الشاي أو القهوة، لكن درجة حرارة المشروب قد تكون عاملًا يستحق الانتباه، بعدما ربطت دراسة واسعة بين تناول المشروبات الساخنة جدًا وزيادة خطر الإصابة بأحد أنواع سرطان المريء، مع رصد علاقة مماثلة عند استهلاك كميات كبيرة من المشروبات الساخنة يوميًا.
وحللت الدراسة التي نشرت في المجلة الدولية للسرطان بيانات نحو 977 ألف شخص في المملكة المتحدة، في واحدة من أكبر الدراسات التي بحثت العلاقة بين درجة حرارة المشروبات الساخنة والإصابة بسرطان المريء. وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يفضلون تناول مشروباتهم في درجة حرارة "ساخنة جدًا" سجلوا خطرًا نسبيًا أعلى بنحو ثلاثة أضعاف للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء، مقارنة بمن يفضلون المشروبات الدافئة.
لكن النتائج لا تعني أن شرب الشاي أو القهوة الساخنة يؤدي حتمًا إلى الإصابة بالسرطان؛ إذ اعتمدت الدراسة على رصد العلاقة بين العادات الغذائية والإصابة بالمرض، ولم تثبت أن درجة حرارة المشروب هي السبب المباشر.
ماذا كشفت الدراسة
واعتمدت الدراسة على بيانات مجموعتين بحثيتين كبيرتين في المملكة المتحدة، هما "دراسة المليون امرأة" و"بنك المملكة المتحدة الحيوي"، بمشاركة إجمالية بلغت 977.282 شخصًا. وسأل الباحثون المشاركين عن عاداتهم في تناول الشاي والقهوة، بما في ذلك عدد الأكواب اليومية ودرجة الحرارة التي يفضلونها، وصُنفت الإجابات إلى مشروبات "ساخنة جدًا" و"ساخنة" و"دافئة".
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يفضلون المشروبات الساخنة جدًا سجلوا خطرًا نسبيًا أعلى بمقدار 3.17 مرة للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء، مقارنة بمن يفضلون المشروبات الدافئة، بعد مراعاة عدد المشروبات التي يتناولونها. أما الذين فضلوا المشروبات الساخنة، فكان خطر الإصابة لديهم أعلى بنسبة 69% مقارنة بمن يفضلون المشروبات الدافئة.
وشملت الدراسة حالات من نوعين رئيسيين من سرطان المريء؛ إذ سُجلت 2348 إصابة خلال فترات المتابعة، منها 1045 حالة من سرطان الخلايا الحرشفية و1303 حالات من السرطان الغدي. ولم تُظهر النتائج ارتباطًا واضحًا بين تفضيل المشروبات الساخنة جدًا وزيادة خطر الإصابة بالنوع الغدي، ما يشير إلى أن العلاقة المرصودة تختلف باختلاف نوع السرطان.
ستة أكواب يوميًا ترتبط بزيادة الخطر
لم تقتصر النتائج على درجة حرارة المشروب، بل أظهرت أيضًا ارتباطًا بين عدد المشروبات الساخنة المستهلكة يوميًا وخطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء. فالأشخاص الذين تناولوا ستة مشروبات ساخنة أو أكثر يوميًا سجلوا خطرًا نسبيًا أعلى بنسبة 71% مقارنة بمن تناولوا أقل من ستة مشروبات يوميًا، بعد مراعاة درجة حرارة المشروبات.
وكانت العلاقة متشابهة لدى الأشخاص الذين يعتمدون على الشاي أو القهوة بصورة أساسية، كما لم يظهر أن إضافة الحليب غيّرت بصورة ملحوظة العلاقة بين درجة الحرارة وخطر الإصابة، وفق البيانات المتاحة من إحدى المجموعتين البحثيتين.
وتشير هذه النتائج إلى أن درجة حرارة المشروب وعدد مرات تناوله قد يكونان عاملين مهمين يستحقان مزيدًا من البحث، لكنها لا تعني أن كل من يشرب ستة أكواب يوميًا سيصاب بالسرطان، أو أن تقليل عدد الأكواب وحده يضمن الوقاية من المرض.
لماذا قد تؤثر الحرارة المرتفعة في المريء؟
سبق أن صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، المشروبات التي تزيد درجة حرارتها على 65 درجة مئوية ضمن الفئة التي يُحتمل أن تكون مسببة للسرطان لدى البشر، وذلك في عام 2016. وجاء هذا التصنيف بعد مراجعة أدلة ربطت تناول مشروب المتة، الشائع في أمريكا الجنوبية والذي يُستهلك أحيانًا عند درجات حرارة مرتفعة جدًا، بزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء.
ويطرح الباحثون احتمال أن تكون الإصابة الحرارية المتكررة للأنسجة المبطنة للمريء إحدى الآليات التي تفسر العلاقة؛ إذ قد تؤثر الحرارة المرتفعة في سلامة الغشاء المخاطي وتُعزز عمليات مرتبطة بتطور السرطان. كما أظهرت دراسات على الحيوانات أن الماء شديد السخونة قد يرتبط بظهور آفات سابقة للتسرطن وتلف في أنسجة المريء.
ومع ذلك، لم تفحص الدراسة الجديدة الآليات البيولوجية بصورة مباشرة، كما لم تقِس درجة الحرارة الفعلية للمشروبات التي تناولها المشاركون؛ بل اعتمدت على وصفهم الشخصي لها بأنها ساخنة جدًا أو ساخنة أو دافئة. يرى الباحثون أن خفض حرارة المشروبات التي يتناولها الأشخاص وهي شديدة السخونة قد يساعد في الوقاية من بعض حالات سرطان الخلايا الحرشفية في المريء.
وبحسب تقديرات الدراسة، فإن الانتقال من تناول المشروبات في درجة حرارة "ساخنة جدًا" إلى درجة حرارة "ساخنة" قد يمنع نحو 14% من حالات هذا النوع من السرطان، إذا كانت العلاقة المرصودة سببية بالفعل. وبالاستناد إلى معدلات الإصابة في المملكة المتحدة، قد يعادل ذلك نحو 440 حالة يمكن تجنبها سنويًا.




