من فنجان القهوة الصباحي إلى الأطعمة الغنية بالسكر والملح، وصولًا إلى الساعات التي نقضيها أمام شاشات الهواتف والأجهزة الإلكترونية، تتكرر عادات يومية قد تبدو عادية، لكنها قد تؤثر في صحتنا عندما نتجاوز الحدود المناسبة. ولا يتعلق الأمر بالتوقف عن تناول القهوة أو الامتناع تمامًا عن السكر والملح، بل بمعرفة الكميات التي توصي بها الجهات الصحية، والانتباه إلى أن تأثيرها يختلف من شخص لآخر.

الكافيين 400 ملليجرام يوميًا

يمنح الكافيين كثيرين شعورًا باليقظة والانتباه، إذ يعمل على منع الأدينوزين، وهي مادة كيميائية طبيعية تساعد الجسم على الشعور بالتعب، من الارتباط بمستقبلاته. لكن الإفراط في تناوله قد يؤدي إلى زيادة معدل ضربات القلب والخفقان وارتفاع ضغط الدم والقلق واضطرابات النوم والغثيان.

وبحسب إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، فإن تناول ما يصل إلى 400 ملليجرام من الكافيين يوميًا لا يرتبط عمومًا بآثار سلبية لدى معظم البالغين الأصحاء. وتعادل هذه الكمية نحو كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة سعة 12 أونصة، مع اختلاف محتوى الكافيين بحسب نوع القهوة وطريقة تحضيرها وحجم الكوب.

ولا تقتصر مصادر الكافيين على القهوة والشاي، بل تشمل مشروبات الطاقة وبعض المشروبات الغازية والشوكولاتة والمكملات الغذائية وأدوية تُباع دون وصفة طبية. وقد تحتوي مشروبات الطاقة على ما بين 54 و328 ملليجرامًا من الكافيين في عبوة سعة 16 أونصة.

أما تناول جرعات كبيرة في وقت قصير، فقد يكون أكثر خطورة؛ إذ تقدّر إدارة الغذاء والدواء أن استهلاك نحو 1200 ملليجرام من الكافيين بسرعة قد يؤدي إلى آثار سامة، مثل التشنجات. وتختلف استجابة الجسم للكافيين بحسب الحالة الصحية والأدوية والحساسية الفردية، بينما يُنصح بتجنب مشروبات الطاقة لدى الأطفال والمراهقين، وتوصي الحوامل باستشارة الطبيب بشأن الكمية المناسبة.

السكر أقل من 50 جرامًا يوميًا

لا يتعلق الحد الموصى به بكل السكريات الموجودة في الطعام، بل بما يُعرف بـ«السكريات الحرة»، التي تشمل السكر المضاف إلى الأطعمة والمشروبات، إلى جانب السكريات الموجودة طبيعيًا في العسل والشراب وعصائر الفاكهة ومركزاتها.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بألا تتجاوز السكريات الحرة 10% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية مع إمكانية تحقيق فوائد صحية إضافية عند خفضها إلى أقل من 5%. وبالنسبة إلى شخص يستهلك نحو 2000 سعرة حرارية يوميًا، يعادل ذلك أقل من 50 جرامًا من السكر، أو نحو 12 ملعقة صغيرة، فيما يعادل مستوى 5% نحو 25 جرامًا.

وتكمن أهمية هذه الحدود في أن الإفراط في السكريات الحرة يرتبط بزيادة الوزن والسمنة وتسوس الأسنان. كما يشير الدكتور غاوراف باترا، استشاري جراحة الأعصاب بمستشفى ماكس في فايشالي، إلى أن الاستهلاك المرتفع للسكر قد يرتبط بمقاومة الأنسولين، وضعف الذاكرة والتركيز، وزيادة مخاطر الإصابة بالاكتئاب. ويرتبط الإفراط المستمر أيضًا بالسمنة والسكري من النوع الثاني، وهما عاملان قد يزيدان مخاطر التدهور المعرفي.

لذلك، لا يكفي الانتباه إلى ملاعق السكر المضافة إلى المشروبات، بل ينبغي احتساب ما يأتي من المشروبات المحلاة والحلويات والأطعمة المصنعة وغيرها من المصادر.

الملح لا تتجاوز 5 جرامات يوميًا

يحتاج الجسم إلى الصوديوم لأداء وظائفه، لكن الإفراط فيه يرتبط بارتفاع ضغط الدم، ما يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية. وتوصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز استهلاك البالغين 5 جرامات من الملح يوميًا أي ما يعادل نحو ملعقة صغيرة، أو جرامين من الصوديوم. ويشمل ذلك الملح المستهلك من جميع المصادر، وليس فقط ما يُضاف إلى الطعام أثناء الطهي أو على المائدة.

ولا يقتصر تأثير الإفراط في الملح على القلب والأوعية الدموية؛ إذ يوضح باترا أن ارتفاع ضغط الدم قد يضر بالأوعية التي تمد الدماغ بالأكسجين والمغذيات، كما يرتبط الاستهلاك المرتفع للملح بزيادة خطر السكتة الدماغية، وقد يؤثر في الذاكرة والوظائف الإدراكية. وقد يصعب الانتباه إلى الكمية الإجمالية، لأن الملح والصوديوم يوجدان أيضًا في الأطعمة المصنعة، مثل اللحوم المعالجة والجبن والوجبات الجاهزة والوجبات الخفيفة المالحة، فضلًا عن بعض الصلصات ومكعبات المرق.

الشاشات

على عكس الكافيين والسكر والملح، لا يوجد عددًا معينًا من الساعات يمكن اعتباره حدًا يوميًا آمنًا لجميع الأشخاص. فالتأثير لا يرتبط بالمدة وحدها، بل بطبيعة الاستخدام وتوقيته، ومدى تأثيره في النوم والتركيز والنشاط اليومي.

وبحسب الدكتور باترا، فإن قضاء ساعات طويلة أمام الهواتف وأجهزة الكمبيوتر والتلفزيونات قد يقلل التركيز ويسبب التعب ويعطل عادات النوم. كما أوضح أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات قد يقلل إفراز الميلاتونين، الهرمون الذي ينظم النوم، بينما قد يرتبط الاستخدام المفرط بزيادة التوتر والقلق والعزلة الاجتماعية.

لذلك، فإن تقليل استخدام الشاشات قبل النوم والحد من الوقت المخصص للترفيه الرقمي، مع الحفاظ على عادات نوم صحية، قد يساعد في حماية جودة النوم وصحة الدماغ. لكن لا يمكن اعتبار كل استخدام مطوّل للشاشات سببًا مباشرًا لتلف الدماغ، ولا تحديد عتبة زمنية موحدة يبدأ عندها الضرر.