لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للترفيه والتواصل، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، مع توسع استخدامه في التعلم والألعاب ومتابعة المحتوى والـAI. ومع هذا التوسع، تتغير علاقة الأطفال والمراهقين بالعالم الرقمي، من تأثير وقت الشاشة على الصحة النفسية إلى ظهور الرفقاء الافتراضيين، بالتزامن مع اتجاه المدارس والمنصات إلى سياسات أكثر صرامة لحماية المستخدمين الأصغر سنًا.
الصحة النفسية ووقت الشاشة
لا تشير الأدلة العلمية إلى أن زيادة وقت الشاشة تؤدي تلقائيًا إلى الاكتئاب أو القلق، لكن الاستخدام المرتفع للتقنية يرتبط بمؤشرات تراجع الصحة النفسية، خصوصًا عندما يقترن بالسهر أو المحتوى الضار أو التنمر الإلكتروني.
وبحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD الصادر في 2026، تتدهور الصحة النفسية للأطفال والمراهقين منذ أكثر من عقد، وهي أزمة سبقت جائحة كورونا وازدادت حدة خلال السنوات الأخيرة. وتضع المنظمة الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي ضمن عوامل متداخلة، تشمل الضغوط الدراسية والتنمر والفقر وعدم المساواة والمخاوف المرتبطة بالأزمات العالمية.
ويرتبط الاستخدام المفرط أو المتأخر ليلًا للأجهزة الرقمية باضطراب النوم، كما ترتبط وسائل التواصل الاجتماعي بأعراض القلق والمزاج المكتئب وصورة الجسد السلبية، رغم فوائدها المحتملة في التواصل والوصول إلى مجتمعات الدعم.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العلاقة بين التقنية والصحة النفسية ليست في اتجاه واحد؛ فقد يرتبط الاستخدام المكثف بمشكلات نفسية، لكن المراهقين الذين يعانون القلق أو الاكتئاب قد يلجأون بدورهم إلى التقنية ويقضون وقتًا أطول أمام الشاشة.
الـAI يوسع التفاعل الرقمي
يضيف الـAI بُعدًا جديدًا إلى علاقة المراهق بالشاشة؛ فبدلًا من الاكتفاء بعرض المحتوى، أصبح بإمكان الأنظمة الدخول في محادثات شخصية وفورية وتقديم إجابات وتوصيات تحاكي التواصل البشري.
وتشير تقارير OECD إلى أن التقنيات الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة الشباب، من تصفح الإنترنت والألعاب إلى التواصل الاجتماعي. وبينما توفر فرصًا للتعلم والإبداع والتواصل، تحمل مخاطر تتعلق بالتشتت والمقارنات الاجتماعية والمعلومات الضارة والصحة النفسية.
وقد يزيد الـAI الارتباط بالعالم الرقمي ليس فقط عبر زيادة ساعات الاستخدام، بل أيضًا بتوسيع وظائف الهاتف، ليجمع التواصل والترفيه والتعلم والمعلومات والمحادثات مع نظام يستجيب في أي وقت. ومع ذلك، قد يصبح قياس وقت الشاشة وحده أقل قدرة على تفسير علاقة الأطفال بالتقنية، مع الانتقال من استهلاك المحتوى إلى التفاعل الشخصي المستمر.
انتشار الرفقاء الافتراضيين
من أبرز التحولات ظهور «الرفيق الافتراضي»، وهو نظام AI مصمم للمحادثة والتفاعل بصورة تشبه العلاقة الشخصية. وبحسب دراسة لـ«Common Sense Media» نُشرت في 2025، استخدم 72% من المراهقين بين 13 و17 عامًا رفقاء الـAI مرة واحدة على الأقل، بينما يستخدمهم 52% بانتظام، أي عدة مرات شهريًا أو أكثر. واستخدم 33% منهم هذه الخدمات للتفاعل الاجتماعي والعلاقات، بما يشمل التدريب على المحادثة والدعم العاطفي والصداقة.
كما قال نحو ثلث المستخدمين إنهم اختاروا مناقشة أمور مهمة أو خطيرة مع رفيق الـAI بدلًا من أشخاص حقيقيين، ورأى نحو ثلث المراهقين أن محادثاتهم معه كانت مرضية بقدر المحادثات مع أصدقاء حقيقيين أو أكثر إرضاءً منها.
وكشفت دراسة منشورة في JAMA Pediatrics عام 2026 أن 19.2% من المراهقين والشباب الأمريكيين بين 12 و21 عامًا استخدموا روبوتات المحادثة للحصول على نصائح تتعلق بالصحة النفسية خلال 2025، بما يعادل نحو 8.2 مليون شخص وفق التقدير السكاني للدراسة.
وتحذر الجمعية الأمريكية لعلم النفس APA من صعوبة تمييز بعض المراهقين بين التعاطف الذي يحاكيه النظام والفهم الإنساني الحقيقي، ومن احتمال ثقتهم في شخصيات الـAI التي تقدم نفسها كصديق أو مرشد، بما قد يأتي أحيانًا على حساب العلاقات الواقعية.
وقد يصعب تحديد عدد الساعات التي سيقضيها الأطفال أمام الهاتف مستقبلًا، لكن اتجاه الاستخدام واضح؛ إذ يدخل الهاتف حياتهم في سن أصغر، وتتوسع وظائفه باستمرار.
وتشير بيانات عرضتها APA في 2025 إلى أن متوسط عمر حصول الطفل على الهاتف يبلغ نحو 8.5 عامًا، بينما يمتلك 72% من الأطفال بعمر 11 عامًا هاتفًا ذكيًا، وترتفع النسبة إلى 84% عند سن 13 عامًا. ويعزز ذلك احتمال تحول الهاتف إلى بوابة تجمع التواصل ووسائل التواصل الاجتماعي والترفيه والألعاب والتعلم والـAI في جهاز واحد.
قيود مدرسية متزايدة على الهواتف
بالتزامن مع اندماج الهاتف في حياة الأطفال، تتجه المدارس حول العالم إلى فرض قيود أكثر صرامة على استخدامه. وبحسب اليونسكو، وصل عدد الأنظمة التعليمية التي لديها حظر وطني على الهواتف المحمولة في المدارس إلى 114 نظامًا حتى سبتمبر 2026، بما يمثل 58% من دول العالم، مقارنة بـ24% في يونيو 2023، و40% بحلول أوائل 2025.
وتختلف السياسات بين الحظر الكامل خلال اليوم الدراسي، والسماح بالاستخدام التعليمي أو للحالات الطبية والاحتياجات الخاصة، أو ترك وضع قواعد الاستخدام للمدارس.
وتظهر بيانات PISA 2025 أن نحو نصف الطلاب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يدرسون في مدارس لا يُسمح فيها باستخدام الهواتف داخل مباني المدرسة، مقابل 34% في 2022، فيما يدرس 71% في مدارس لديها إرشادات رسمية لاستخدام الأجهزة الرقمية تعليميًا.
وبحسب بيانات OECD، أبلغ 28% من الطلاب في المتوسط عن تشتت زملائهم بسبب الأجهزة الرقمية خلال معظم حصص العلوم أو جميعها. وانخفضت النسبة إلى 27% في المدارس التي تحظر الهواتف، مقابل 29% في المدارس التي لديها إرشادات فقط و32% في المدارس التي لا تطبق سياسات بهذا الشأن.
مسؤولية المنصات عن حماية المراهقين
مع انتقال جزء متزايد من حياة المراهقين إلى العالم الرقمي، لا تقتصر مسؤولية الحماية على الأسرة والمدرسة؛ فالمنصات تؤثر في نوع المحتوى الذي يصل إلى الطفل وطريقة تفاعله معه.
وتدعو منظمة الصحة العالمية في أوروبا إلى جعل الاستخدام الصحي والآمن للتقنية أولوية للصحة العامة، وتنظيم تصميم المنصات للحد من الخصائص الإدمانية والضارة، وتعزيز الإرشاد بشأن الاستخدام الآمن، وتوفير بدائل غير رقمية، وزيادة مساءلة الشركات عن تأثيراتها.
ومع توسع استخدام الـAI، تزداد الحاجة إلى ضوابط عمرية وحواجز أمان في الخدمات الموجهة للمراهقين، مع توضيح طبيعتها غير البشرية ومنع استغلال التعلق العاطفي بالمستخدم.




