قد يبدو النوم 5 ساعات فقط حلًا عمليًا لمن يريد إنجاز المزيد من العمل أو الدراسة، أو اقتناص بعض الوقت لنفسه بعد يوم مزدحم. لكن الساعات التي يكسبها من السهر قد يدفع ثمنها في اليوم التالي، حين يصعب عليه التركيز، ويبطؤ رد فعله، ويجد مشقة أكبر في تذكّر المعلومات والتعامل مع المهام المعقدة.
ينصح الخبراء البالغين بالنوم 7 ساعات على الأقل كل ليلة. والاكتفاء بخمس ساعات بصورة متكررة قد يحرم الجسم من الراحة التي يحتاج إليها، فتتراكم آثار قلة النوم وتمتد من الأداء الذهني والمزاج إلى الصحة الجسدية. والمشكلة أن المرء قد يعتاد هذا النمط، فيظن أنه لم يعد يؤثر فيه، مع أن تراجع شعوره بالتعب لا يعني بالضرورة أن جسمه تعافى من نقص النوم.
حين تخسر الذاكرة ساعات من الراحة
من أولى علامات قلة النوم صعوبة الحفاظ على التركيز، إلى جانب بطء الاستجابة والتعثر عند التفكير في المسائل التي تحتاج إلى جهد ذهني. وقد تظهر هذه الآثار في العمل والدراسة، كما تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية التي تتطلب الانتباه واتخاذ القرارات.
وتزداد أهمية النوم حين يتعلق الأمر بالتعلم والذاكرة. إذ يعتقد الباحثون أن الدماغ يدمج المعلومات الجديدة في الذاكرة أثناء النوم. ولهذا، فإن السهر للمذاكرة قبل اختبار أو الاستعداد لعرض مهم قد يأتي بنتيجة عكسية. فالوقت الذي يقضيه الشخص في الدراسة لن يفيده بالقدر نفسه إذا أصبح أقل قدرة على التركيز واستيعاب ما يقرأ.
وهنا تظهر المفارقة. قد يمدد المرء يومه على حساب النوم ليكمل مهمة أو ينجز عملًا إضافيًا، لكنه يجد نفسه في اليوم التالي أبطأ في التفكير وأقل انتباهًا. وكلما تكرر هذا النمط، تراكمت آثار نقص النوم بدلًا من أن تنتهي بانقضاء ليلة واحدة.
لماذا قد لا نشعر بالتعب كما ينبغي؟
يظن بعض الأشخاص أنهم اعتادوا النوم 5 ساعات، وأن أجسامهم لم تعد تحتاج إلى أكثر من ذلك. لكن الأبحاث تشير إلى أن من يحرمون أنفسهم من النوم بصورة متكررة قد يألفون الأعراض التي تصيبهم، من دون أن يعني ذلك زوال آثار الحرمان.
وتوجد بالفعل فئة صغيرة تنام ساعات أقل من المعتاد، ثم تستيقظ وهي تشعر بالراحة والنشاط. ويُعتقد أن هذه القدرة ترتبط بالعوامل الوراثية، لكنها حالة غير شائعة. ولا يزال الباحثون لا يعرفون ما إذا كان أصحابها يواجهون المخاطر الصحية نفسها التي يتعرض لها من لا يحصلون على حاجتهم من النوم.
أما بالنسبة إلى معظم البالغين، فالتوصية هي النوم 7 ساعات على الأقل كل ليلة. ويمكن للشخص أن يستدل على كفاية نومه بملاحظة نشاطه خلال النهار ومدى شعوره بالراحة عند الاستيقاظ. ولا يكفي أن يواصل يومه بعد ليلة قصيرة ليحكم بأن جسمه حصل على حاجته.
من العصبية إلى حوادث الطريق
لا تقتصر آثار قلة النوم على التركيز والذاكرة. فقد تجعل الشخص أكثر عصبية وأقل قدرة على ضبط انفعالاته والتعامل مع الضغوط. كما ربطت الأبحاث الحرمان طويل الأمد من النوم باضطرابات نفسية، منها الاكتئاب والقلق.
وقد تكون عواقب بطء الاستجابة أشد خطورة حين يجلس الشخص خلف عجلة القيادة. فالإرهاق قد يجعل السائق يغفو لثوانٍ من دون أن ينتبه، في ما يُعرف بالغفوة الخاطفة. ويُعد الحرمان من النوم أحد العوامل الرئيسية المساهمة في حوادث السيارات.
ويمتد الضرر إلى الجسم أيضًا. فقد ارتبط نقص النوم المستمر بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكتة الدماغية، فضلًا عن السكري من النوع الثاني وأمراض الكلى. أما على المدى القصير، فقد يضعف قدرة الجهاز المناعي على مقاومة الأمراض.
استعادة النوم ليست فورية
لا تكفي ليلة نوم طويلة بالضرورة لمحو آثار أيام من النوم الناقص. فالتعافي من الحرمان المتراكم قد يستغرق وقتًا، وتشير دراسات أوردها المصدر إلى أن تعويض ساعة واحدة من النوم المفقود قد يحتاج إلى نحو 4 أيام. وتطول مدة التعافي مع تراكم ساعات النوم التي فاتت الجسم.
ويمكن تقليل هذه الخسارة بتثبيت موعد النوم والاستيقاظ، حتى في عطلات نهاية الأسبوع، وتهيئة وقت هادئ قبل النوم للقراءة أو الاسترخاء. كما يُنصح بإبعاد الهاتف والحاسوب والتلفزيون عن وقت النوم، لأن الضوء الأزرق الصادر عن الشاشات قد يصعّب الاستغراق فيه.
ومن الأفضل تجنب الكافيين والنيكوتين والكحول قرب موعد النوم. وإذا كانت الأدوية تؤثر في القدرة على النوم، فينبغي مناقشة الأمر مع الطبيب. أما العاملون بنظام الورديات، فقد تساعدهم المواعيد المنتظمة وأقنعة العين والستائر المعتمة على النوم نهارًا.
قد يعتاد الشخص الاستيقاظ بعد 5 ساعات، ويواصل عمله من دون أن يشعر بتعب شديد. لكن هذا الاعتياد لا يضمن بقاء التركيز والذاكرة في أفضل حالاتهما. فالساعات التي يقضيها مستيقظًا لا تعوّض النوم الذي يحتاج إليه جسمه، ولا تعني بالضرورة أنه أنجز خلالها أكثر.




