أصبحت الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياة المراهقين اليومية، من الدراسة والترفيه إلى التواصل مع الآخرين، فيما يثير تزايد ساعات الاستخدام تساؤلات حول انعكاساته على النوم والصحة النفسية. وتكشف البيانات الدولية تفاوتًا في أنماط الاستخدام ومدته، إلى جانب اختلافات بين الجنسين والدول، وتقدم مؤشرات مهمة حول العلاقة بين الاستخدام الرقمي والصحة النفسية.
ساعات الشاشة واستخدام وسائل التواصل
لا يوجد رقم عالمي موحد لساعات الشاشة لدى المراهقين، بسبب اختلاف طرق القياس وتعريف «وقت الشاشة». لكن تشير بيانات Common Sense Media إلى أن المراهقين يقضون في المتوسط نحو 8.5 ساعات يوميًا في استخدام الشاشات لأغراض ترفيهية، دون احتساب وقت الدراسة أو أداء الواجبات.
ووفق نتائج PISA 2025 الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يقضي الطلاب بعمر 15 عامًا في دول المنظمة في المتوسط نحو 6 ساعات يوميًا على الأجهزة الرقمية خلال أيام الأسبوع، ونحو 5 ساعات يوميًا في عطلات نهاية الأسبوع، لأغراض التعلم والترفيه معًا. أما الاستخدام الترفيهي الرقمي وحده، فيبلغ نحو 3.4 ساعات يوميًا.
تصل وسائل التواصل إلى معظم المراهقين؛ إذ تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المبنية على PISA 2022 إلى أن نحو 95% من الطلاب بعمر 15 عامًا في دول المنظمة يتصفحون وسائل التواصل يوميًا، بينما يستخدم 88% منهم وسائل التواصل أو منصات الاتصال للتواصل ومشاركة المحتوى. ويبلغ متوسط الوقت الذي يقضونه على وسائل التواصل نحو 35 ساعة أسبوعيًا، أي قرابة 5 ساعات يوميًا.
مؤشرات القلق والاكتئاب والفروق بين الجنسين
عالميًا، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 14.3% من المراهقين بين 10 و19 عامًا يعانون حالة نفسية، أي نحو مراهق واحد من كل 7. وبين الفئة العمرية 15 إلى 19 عامًا، تبلغ نسبة اضطرابات القلق 5.3%، بينما تبلغ نسبة الاكتئاب 3.4%. وهذه أرقام للاضطرابات النفسية، وليست مجرد مشاعر عابرة أو أعراض مؤقتة.
شهدت مؤشرات القلق والاكتئاب ارتفاعًا ملحوظًا خلال جائحة كورونا؛ إذ قدرت منظمة الصحة العالمية أن الانتشار العالمي للقلق والاكتئاب ارتفع بنسبة 25% خلال السنة الأولى من الجائحة. وأشارت المنظمة إلى أن الشباب كانوا من الفئات الأكثر تأثرًا، مع زيادة مخاطر بعض مشكلات الصحة النفسية والسلوكيات المرتبطة بها.
استخدام الشاشات ليلًا وعلاقته بالنوم
لا توجد إحصائية عالمية تحدد عدد ساعات النوم التي يخسرها المراهقون بسبب الهاتف، لكن دراسات حديثة تقيس العلاقة بين استخدام الشاشة والنوم بصورة أكثر دقة. ففي دراسة منشورة عام 2025 في Pediatrics Open Science، وشملت 83 شابًا تتراوح أعمارهم بين 11 و14.9 عامًا، ارتبط استخدام الشاشة خلال الساعة السابقة للنوم بزيادة 84% في مدة الاستغراق في النوم، بما يعادل 23.1 دقيقة، دون تأثير إحصائي واضح في إجمالي مدة النوم.
وفي دراسة أخرى نشرتها JAMA Pediatrics عام 2024 وشملت 79 شابًا تتراوح أعمارهم بين 11 و14 عامًا، لم يرتبط استخدام الشاشة خلال الساعتين السابقتين للنوم بانخفاض إجمالي مدة النوم. لكن استخدام الشاشة أثناء وجود المراهق في السرير ارتبط بنحو 3 دقائق أقل من إجمالي النوم لكل 10 دقائق إضافية من الاستخدام، بينما ارتبط الاستخدام التفاعلي بنحو 9 دقائق أقل لكل 10 دقائق إضافية.
تظهر فروق واضحة في كثافة استخدام وسائل التواصل؛ إذ تقضي الفتيات بعمر 15 عامًا في دول OECD متوسط 37.2 ساعة أسبوعيًا على وسائل التواصل، مقابل 31.8 ساعة للأولاد. كما يقضي 65% من الفتيات و55% من الأولاد 3 ساعات أو أكثر يوميًا على وسائل التواصل في أيام الدراسة. وتبلغ نسبة الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل 12% بين الفتيات مقابل 8% بين الأولاد.
البيانات العربية والمقارنات الدولية
لا توجد قاعدة بيانات عربية حديثة وموحدة تقيس وقت الشاشة والصحة النفسية بالطريقة نفسها في جميع الدول. لكن دراسة منشورة في Frontiers in Psychiatry عام 2026 حللت بيانات 90,573 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 11 و18 عامًا في 12 دولة شرق أوسطية، وتراوحت نسبة القلق بين الذكور من 21.3% في العراق إلى 38.8% في تونس، وبين الإناث من 28.8% في موريتانيا إلى 55.8% في تونس. وفي الإمارات بلغت النسبة 28.5% للذكور و43.2% للإناث، مقابل 26.4% و45.5% في الأردن. وكانت النسبة أعلى لدى الإناث من الذكور في جميع الدول المشمولة. وتجدر الإشارة إلى أن البيانات الأصلية جُمعت بين عامي 2004 و2017.
أما العلاقة بين الاستخدام والصحة النفسية، فتشير مراجعة منهجية منشورة في Asian Journal of Psychiatry عام 2026، شملت 21 دراسة وأكثر من 15 ألف مشارك من دول عربية، إلى ارتباط الاستخدام المرتفع أو الإشكالي لوسائل التواصل بالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم وتراجع الأداء الأكاديمي. ومعظم الدراسات كانت مقطعية، لذلك لا تثبت علاقة سببية مباشرة.
شملت دراسة عالمية 143,203 مراهقين بعمر 15 و16 عامًا في 47 دولة وجدت ارتباطًا بين الاستخدام النشط والسلبي لوسائل التواصل وارتفاع مؤشرات القلق. وبين الفتيات، كانت مستخدمات وسائل التواصل بصورة سلبية لمدة 7 ساعات أو أكثر يوميًا أكثر عرضة بنسبة 88% للموافقة بشدة على شعورهن بالتوتر بسهولة، مقارنة بمن يستخدمنها أقل من ساعة يوميًا، بينما بلغت الزيادة لدى الأولاد 73% في الإبلاغ عن القلق بشأن أمور كثيرة.
كما أظهرت دراسة أخرى شملت 171,447 مراهقًا في 41 دولة ومنطقة أن 58% كانوا ضمن فئة الاستخدام الإشكالي المنخفض، و37.6% ضمن المستوى المتوسط، و4.3% ضمن المستوى المرتفع، مع اختلافات واضحة بين الدول والمناطق.
وتوضح هذه البيانات أن المقارنة لا تتعلق فقط بعدد الساعات؛ فنوع الاستخدام وتوقيته والجنس والبيئة التي يعيش فيها المراهق كلها عوامل مهمة، كما أن الارتباط بين الاستخدام الرقمي ومؤشرات الصحة النفسية لا يعني بالضرورة أن أحدهما يسبب الآخر.




