اعتاد كثير من المرضى الصيام قبل تحاليل الدم، خصوصًا عندما تطلب المختبرات الامتناع عن الطعام والشراب لمدة تتراوح بين 8 و12 ساعة، مع السماح بالماء فقط، غير أن دراسة جديدة وجدت أن الصيام لا يغيّر نتائج معظم تحاليل الدم الروتينية بصورة مؤثرة، ما يعيد طرح السؤال حول الحاجة إلى هذه الممارسة على نطاق واسع.

ولا تعني هذه النتيجة أن المرضى يستطيعون تجاهل تعليمات أطبائهم، إذ قد تختلف الحاجة إلى الصيام بحسب نوع التحليل والمواد التي يقيسها. ومع ذلك، تفتح النتائج نقاشًا حول قاعدة عامة طُبقت على نطاق واسع قبل تحاليل الدم، رغم تفاوت الحاجة إليها من فحص إلى آخر.

من السكر والدهون إلى بقية الفحوص

ارتبط الصيام في الأصل بتحليل مستويات الجلوكوز والدهون في الدم، لأن تناول الطعام يمكن أن يغيّر هذه المؤشرات بصورة واضحة. ومع مرور الوقت، امتدت التعليمات إلى مجموعات أوسع من الفحوص، وأصبح الامتناع عن الطعام إجراءً متبعًا قبل عدد كبير من تحاليل الدم.

ورغم شيوع هذه الممارسة، لم تقدم الدراسات السابقة إجابة حاسمة عن المدة المثلى للصيام قبل مختلف الاختبارات. وتركز جانب كبير من الأبحاث على تحاليل الدهون، بينما ظلت الأدلة محدودة بشأن إنزيمات الكبد والبنكرياس، ومؤشرات الدم، والهرمونات، والفيتامينات.

وأدى نقص البيانات إلى اختلاف التعليمات بين المختبرات، فقد يطلب أحدها الصيام قبل فحص معين، بينما لا يشترطه مختبر آخر، رغم وحدة الغرض من التحليل. ومن هنا سعى الباحثون إلى فحص العلاقة بين مدة الصيام ونتائج مجموعة واسعة من تحاليل الدم.

أكثر من 101 ألف مريض

قاد الدراسة سونجهوان شين، طبيب طب المختبرات في مركز آسان الطبي التابع لجامعة أولسان في سيول. واعتمد الباحثون على بيانات جُمعت بين عامي 2021 و2023 من مستشفى جامعي يضم 670 سريرًا.

وشملت الدراسة مرضى بالغين من العيادات الخارجية، مع توافر بيانات عن مدة الصيام قبل سحب عينات الدم. وقسّم الباحثون المشاركين إلى 3 مجموعات، ضمت من صاموا أقل من 8 ساعات، ومن صاموا بين 8 و12 ساعة، ومن تجاوز صيامهم 12 ساعة.

وبلغت قاعدة البيانات النهائية أكثر من 9.7 مليون نتيجة لتحاليل مختلفة، تخص أكثر من 101 ألف مريض. وقارن الباحثون النتائج بين مجموعات الصيام المختلفة، إلى جانب إجراء مقارنات بين نتائج المرضى أنفسهم.

وركز التحليل على الفروق المرتبطة بمدة الامتناع عن الطعام، ولا سيما تلك التي تتجاوز الحدود المقبولة في الأداء التحليلي للفحوص. وأظهرت النتائج فروقًا مرتبطة بمدة الصيام في 10 مواد فقط من أصل 121 مادة جرى تحليلها.

4 مؤشرات تأثرت بالصيام

ظهر الأثر بصورة أوضح في 4 مؤشرات، هي الجلوكوز، والدهون الثلاثية، وإنزيم جاما جلوتاميل ترانسفيراز، وإنزيم الليباز. وسجل المرضى الذين صاموا أقل من 8 ساعات مستويات أعلى من هذه المواد.

أما بقية المؤشرات التي شملتها الدراسة، فلم يظهر الصيام لمدة 8 ساعات أو أكثر فائدة واضحة في تحسين دقة نتائجها. ولهذا كتب الباحثون أن النتائج «تدعم اعتماد متطلبات صيام تختلف حسب المادة التي يجري تحليلها، بدلًا من فرض قاعدة موحدة على جميع الفحوص».

وفي خلاصة الدراسة، قال الباحثون إن «تحليلنا الشامل يشير إلى أن معظم تحاليل الدم الروتينية تتأثر بدرجة محدودة جدًا بالصيام القصير، وأن الصيام لأكثر من 12 ساعة لم يرتبط بفروق إضافية ذات أهمية في أي من الاختبارات التي جرى فحصها».

ومع ذلك، لا تقدم الدراسة وحدها أساسًا كافيًا لإلغاء الصيام قبل جميع تحاليل الدم، كما لا تدعو المرضى إلى مخالفة التعليمات الطبية الخاصة بكل فحص. وتظل الحاجة إلى الصيام مرتبطة بنوع التحليل الذي يجرى.

نقاش حول قاعدة واحدة للجميع

تضيف نتائج الدراسة إلى النقاش حول هذه الممارسة، بعدما استندت إلى قاعدة بيانات واسعة شملت ملايين النتائج. وتشير النتائج إلى أن الصيام قد يكون مهمًا لبعض التحاليل، بينما قد لا يكون ضروريًا لفحوص أخرى.

وفي تعليق رافق الدراسة، قالت عالمة الكيمياء الحيوية السريرية ليف تيبييرج نوردستجارد وزملاؤها إن البحث «يقدم دعمًا قويًا للأدلة المتراكمة التي تشير إلى أن سحب عينات الدم بعد الصيام ليس ضروريًا».

ونُشرت الدراسة في دورية «جاما للطب الباطني»، لتدفع النقاش نحو تقييم الحاجة إلى الصيام بحسب نوع الفحص، بدل اعتماد شرط موحد لجميع تحاليل الدم.