قد لا يكون الشجار المتكرر هو ما يدفع العلاقة الزوجية إلى نهايتها، فالخلاف نفسه طبيعي، لكن الطريقة التي يتعامل بها الشريكان مع بعضهما خلاله قد تكون العامل الحاسم.
وتكتسب هذه الطريقة أهمية أكبر لأن العلاقة غير السعيدة لا تؤثر في المشاعر وحدها، فالشجارات القاسية قد تؤدي إلى اضطراب النوم وآلام في القلب والعضلات، وقد تجعل جميع أفراد الأسرة، بمن فيهم الأطفال، أكثر عرضة لمشكلات جسدية ونفسية. وفي المقابل، يمكن للعلاقة السعيدة أن تدعم الصحة وتطيل العمر.
لهذا، لا يتعلق إنقاذ العلاقة بمنع الخلافات، وإنما بتغيير الطريقة التي يخوض بها الطرفان هذه الخلافات. وتظهر مجموعة متزايدة من الأبحاث أن ذلك ممكن، خصوصًا عندما يكون الشريكان راغبين فعلًا في إصلاح ما بينهما.
الخلاف نفسه قد يستمر سنوات
إذا كان أول شجار بين زوجين حول الأطباق المتسخة، فقد يعود الموضوع نفسه بعد سنوات بصور مختلفة. وتشير الأبحاث إلى أن القضايا التي يتشاجر بشأنها الأزواج تميل إلى الثبات طوال العلاقة.
المال وتربية الأطفال والحياة الجنسية والتفاوض حول النفوذ داخل العلاقة، إلى جانب ترتيب المنزل، كلها أمور قد تتحول إلى خلافات متكررة. ووجدت دراسة طويلة الأمد أجراها عالم النفس جون جوتمان وفريقه أن الأزواج ظلوا يتشاجرون في 69% من الحالات حول النوع نفسه من القضايا بعد 4 سنوات من التقييم الأول.
مع ذلك، لا يعني الاختلاف أن العلاقة غير صحية. فالأزواج السعداء وغير السعداء يتشاجرون أيضًا، فيما يكمن الفارق في طريقة تعامل كل طرف مع الآخر أثناء الخلاف وخارجه.
4 سلوكيات تستنزف العلاقة
تحدد كاري كول، عالمة النفس ومديرة الأبحاث في معهد جوتمان، 4 سلوكيات تقول الدراسات إنها قد تدفع العلاقة نحو الانفصال، وهي الانتقاد والازدراء والدفاعية والانسحاب من الخلاف.
وتقول كول «هذه السلوكيات الأربعة ستقتل العلاقة». لكنها تضيف «إذا أراد الزوجان إصلاحها» فإن تغييرها ممكن.
وترتبط المشاجرات التي تتسم بهذه السلوكيات، إلى جانب العدوان والعدائية، بما يوصف بالخلافات الهدامة، التي قد تزيد خطر الطلاق. كما أظهرت أبحاث أخرى أن الانتقاد المستمر من الشريك يرتبط بشكل كبير بالوفاة المبكرة.
في المقابل، يمكن للخلافات البنّاءة أن تقوي العلاقة عندما يحاول الطرفان حل المشكلة باحترام وفضول ولطف. ويبرز هنا عامل الاستجابة، أي شعور الشخص بأن شريكه يستمع إليه ويدعمه ويفهمه. ويرتبط هذا الشعور بارتفاع الرضا عن الزواج، وقد يساعد أيضًا في الحد من الالتهاب وتعزيز الصحة الجسدية وطول العمر.
وأظهرت دراسة امتدت 20 عامًا على الأزواج المتزوجين أن اتخاذ القرارات بصورة مشتركة وتقاسم الأعمال المنزلية بالتساوي ارتبطا بسعادة زوجية أكبر وخلافات أقل.
كيف يعود التعاطف إلى العلاقة؟
عندما تصل العلاقة إلى مرحلة شديدة التوتر، قد يصبح الانتقال من الخصومة إلى الدعم والتفاهم أمرًا صعبًا. مع ذلك، تشير أدلة واسعة إلى أن هذا التحول ممكن، ومنها نتائج علاج الأزواج.
وتشير مراجعة لأبحاث العلاج إلى أثر إيجابي لدى 70% من الأزواج الذين يخضعون له. ويمكن للعلاج أن يحسن مشكلات العلاقة والرضا عنها والحميمية العاطفية، كما يساعد في التعامل مع مشكلات الصحة النفسية والجسدية لدى الأفراد.
ويقول جاي ليبو، أستاذ علم النفس الإكلينيكي ومعالج الأزواج في جامعة نورث وسترن، إن التعاطف يكون قد تآكل لدى كثير من الأزواج الذين يصلون إلى العلاج. والسؤال الذي يطرحه العلاج هو «كيف نعيد بناء تعاطفنا؟».
ويرى ليبو أن تحسن القدرة على التحدث والاستماع أحد المؤشرات على نجاح العلاج، لأن الاستماع يصبح صعبًا جدًا داخل العلاقة المتوترة. كما يتعلم الزوجان التراجع خطوة وطرح سؤال مختلف، وهو ما الذي يحدث بيننا، بدلًا من التركيز فقط على المشكلات التي أواجهها مع شريكي.
الفضول يكشف طريق العودة
ترى كول علامتين تمنحانها الأمل خلال جلسات العلاج. الأولى أن يقول أحد الشريكين للآخر «أستطيع أن أفهم لماذا تشعر بهذه الطريقة».
وتعني هذه العبارة أن الشريك بدأ يتقبل منظور الطرف الآخر باعتباره صحيحًا من وجهة نظره، حتى لو اختلف معه. أما العلامة الثانية فهي وجود فضول حقيقي تجاه تجربة الشريك.
ويظهر ذلك في سؤال مثل «أخبرني المزيد عن ذلك، كيف توصلت إلى هذا الاعتقاد؟». وترى كول أن وجود هذا الفضول يعني أن هناك مساحة ما زالت تسمح بإصلاح العلاقة.
وتوضح حالة زوجين كانا يتشاجران باستمرار حول المال كيف يمكن أن يخفي الخلاف موضوعًا أعمق. فقد نشأ الطرفان في الفقر، لكنها أرادت الأمان والاستقلال عبر الادخار، بينما أراد هو إنفاق المال الذي كسبه والاستمتاع بما حُرم منه سابقًا.
حين تحدث كل منهما عن تجربته، فهم الطرفان ما الذي يقف وراء مواقفهما. ثم اتفقا على مبلغ للادخار وآخر للإنفاق.
ويرى ليبو أن دافع الزوجين إلى إصلاح العلاقة عامل مهم في النتيجة. وحتى الأزواج الذين يقررون الانفصال قد يستفيدون من العلاج في التعامل مع الانفصال وتقليل العداء ودعم الصحة النفسية لأطفالهم.
وتبقى مهارات الإصغاء والتعاطف وفهم الطرف الآخر مفيدة حتى للعلاقات الجيدة، لأنها لا تخص الأزواج الذين يواجهون أزمة فقط، وإنما يمكن أن تحسن أي علاقة.




