أحدثت أدوية إنقاص الوزن القائمة على هرمون "GLP-1" تحولا كبيرا في علاج السمنة، بعدما منحت ملايين الأشخاص أملا جديدا في التخلص من الوزن الزائد، وحققت نتائج لافتة في التجارب السريرية. لكن خلف هذه الصورة اللامعة، توجد فئة من المرضى لا تستجيب لهذه الأدوية بالقدر المتوقع، وبعضهم لا يحقق أي انخفاض ملحوظ في الوزن رغم الالتزام بالعلاج وتغيير نمط الحياة.

وتطرح هذه الحالات سؤالا مهما: لماذا تنجح أدوية إنقاص الوزن مع بعض الأشخاص، بينما يبدو تأثيرها محدودا للغاية لدى آخرين؟ يحاول الباحثون الإجابة عن هذا السؤال، في وقت تتزايد فيه الأدلة على أن العمر والجنس والحالة الصحية والعوامل الهرمونية والوراثية قد تؤثر في استجابة الجسم لهذه العلاجات.

ظننت أن معاناتي ستنتهي

عندما أخبرت طبيبة مرسيدس، وهي معلمة متقاعدة حديثا في الخمسينيات من عمرها وتعيش في كندا، عام 2024 بأنها قد تحصل على حقن "GLP-1" لإنقاص الوزن، انهارت من شدة التأثر.

تقول مرسيدس: "عندما وافقت، بكيت في عيادتها. ولم أتوقف عن البكاء لمدة أسبوع كامل". كانت ترى في العلاج فرصة لإنهاء معاناة استمرت طوال حياتها مع زيادة الوزن، وقالت: "أخيرا، بعد أن عانيت من زيادة الوزن طوال حياتي، هذا ما سينقذني. معاناتي، وعبئي، وخجلي ستنتهي أخيرا". لكن مع مرور الوقت، لم يكن العبء هو الذي تلاشى، بل الأمل في نجاح العلاج. جربت مرسيدس عدة أدوية ولم ينجح أي شيء.

أدوية قوية.. لكن ليست فعالة للجميع

بحسب تقرير نشرته "الغارديان"، تعد مرسيدس واحدة من نسبة صغيرة من الأشخاص الذين لا تحقق معهم أدوية إنقاص الوزن الحديثة النتائج المتوقعة، رغم ما تحظى به هذه الأدوية من اهتمام واسع، وما يروج له المشاهير من تأثيراتها الكبيرة في تغيير الوزن.

ويحتوي "أوزمبيك"، المستخدم لعلاج مرض السكري من النوع الثاني، و"ويجوفي"، المرخص لإنقاص الوزن، على مادة "سيماغلوتيد"، التي تحاكي هرمون "GLP-1" الموجود بصورة طبيعية في الجسم. وتعمل هذه الأدوية على إبطاء إفراغ المعدة، وكبح الشهية، وزيادة إنتاج الأنسولين، وهو ما يساعد كثيرا من الأشخاص على فقدان الوزن.

أما "مونجارو" و"زيباوند"، فيحتويان على مادة "تيرزيباتيد"، التي تحاكي هرمون "GLP-1" إلى جانب هرمون آخر، ولذلك أظهرت هذه الأدوية تأثيرا أكبر في إنقاص الوزن.

 فقدان يصل إلى 20% من الوزن

كان من الصعب تجاهل الضجة المحيطة بأدوية "GLP-1"، إذ أظهرت التجارب السريرية أن المشاركين قد يفقدون ما بين 15% و20% من وزن أجسامهم، كما تشير دراسات إلى إمكانية استخدام هذه الأدوية في التعامل مع حالات صحية أخرى، من أمراض القلب والإدمان إلى مرض الكبد الدهني. وفي بعض الحالات، يرى الخبراء أن بعض هذه التأثيرات قد لا تكون مرتبطة بالكامل بفقدان الوزن.

لكن هذه النتائج لا تنطبق على الجميع. فبحسب نوع الدواء والجرعة المستخدمة، يفقد ما بين 9% وثلث المشاركين في التجارب السريرية أقل من 5% من وزن أجسامهم.

ولهذا يحاول الباحثون معرفة أسباب التفاوت في الاستجابة، وهو ما قد يساعد مستقبلا على اختيار العلاج الأنسب لكل مريض، ورفع كفاءة استخدام هذه الأدوية وتقليل تكلفتها وآثارها الجانبية.

الرغبة في الطعام كانت طاغية

بالنسبة إلى مرسيدس، لم يكن عدم الاستجابة مجرد مسألة تتعلق بالوزن، بل ترك أثرا نفسيا عميقا. وتقول: "بغض النظر عن عدم جدوى العلاج وتكلفته الباهظة، فإن القول بأنه يؤثر سلبا على الثقة بالنفس هو أقل ما يمكن قوله. لقد كانت معاناة حقيقية، مليئة بالخجل والندم والفواتير الباهظة وخيبة الأمل لأن جسدي لا يعمل كما ينبغي".

لكن البروفيسور ألكسندر ميراس، خبير السمنة في جامعة أولستر، يؤكد أن عدم نجاح العلاج ليس ذنب المريض. ويقول: "إذا لم يقلل الدواء من الشعور بالجوع وتناول الطعام لدى شخص ما، فلن يكون فعالا".

وتؤكد مرسيدس أنها حاولت الالتزام بتغييرات نمط الحياة بالتوازي مع الأدوية، لكن الحقن لم توقف الأفكار المستمرة والمتطفلة حول الطعام. وتقول: "كنت صارمة للغاية مع نفسي لمدة شهر، لكن الرغبة الشديدة في تناول الطعام، والتي لا أجد وصفا لها سوى أنها تشبه أعراض انسحاب المواد المخدرة، كانت طاغية. ولم يتوقف الحديث عن الطعام أبدا".

ورغم ذلك، تقول إنها فقدت نحو 20 رطلا خلال ذلك الشهر، أي ما يقارب 9 كيلوجرامات، لكنها تؤكد أن هذا الانخفاض لم يكن بسبب الدواء.

تجارب أخرى مع أدوية GLP-1

ولا تبدو مرسيدس حالة منفردة، إذ تحدثت "الغارديان" إلى عشرات الأشخاص الذين قالوا إن أدوية "GLP-1" لم يكن لها تأثير يذكر عليهم. ومن بينهم يوري ك، البالغ من العمر 57 عاما والمقيم في كندا، والذي جرب عدة برامج لإنقاص الوزن قبل بدء استخدام "ويجوفي".

ويمارس يوري الرياضة نحو 5 أيام أسبوعيا، خاصة تمارين رفع الأثقال، كما يقول إنه لا يتناول الوجبات السريعة أو الأطعمة غير الصحية. ورغم أنه لاحظ تحسنا في مستويات السكر والكوليسترول، إلى جانب انخفاض ما يسميه "ضوضاء الطعام" والشهية، فإن وزنه لم يتغير تقريبا.

ويقول: "بدأت استخدام ويجوفي بوزن حوالي 110 كيلوجرامات، وبعد 6 أشهر ظل وزني كما هو تقريبا". كما عانى من آثار جانبية مزعجة، بينها الإمساك وحساسية الجلد.

ويضيف: "هناك الكثير من النقاش حول أدوية GLP-1 كما لو أنها فعالة للجميع، وهذا لم يكن تجربتي. عندما تبذل جهدا في اتباع نظام غذائي وممارسة الرياضة، وتتناول الدواء تماما كما هو موصوف، ولا تزال ترى فائدة ضئيلة، فمن الصعب ألا تشعر بالإحباط".

لماذا يختلف تأثير الدواء من شخص لآخر؟

حتى الآن، لا يوجد تفسير حاسم للتفاوت في استجابة المرضى لأدوية "GLP-1". ويقول ميراس: "باختصار، لا نعرف السبب الحقيقي وراء عدم استجابة بعض الناس". وأشارت الأبحاث إلى أن عوامل مثل الدافع والذكاء والتعليم والوضع الاجتماعي والاقتصادي لا تتنبأ بكيفية استجابة المرضى لهذه الأدوية.

لكن عوامل أخرى قد يكون لها تأثير، من بينها العمر والجنس والحالة الصحية. ويقول ميراس إن كبار السن يفقدون وزنا أقل، كما أن الرجال يفقدون وزنا أقل من النساء، بينما يفقد المصابون بالسكري من النوع الثاني وزنا أقل مقارنة بغير المصابين بالمرض.

الهرمونات قد تكون جزءا من المعادلة

تشير الأبحاث أيضا إلى احتمال ارتباط الاستجابة بالعوامل الهرمونية. وقال الدكتور ماهيش أوماباثيسيفام، أخصائي الغدد الصماء والباحث السريري في جامعة أديلايد الأسترالية، إن هناك أدلة متزايدة على أن هرمون الإستروجين قد يغير استجابة الجسم لهرمون "GLP-1".

وأوضح أن الاختلاف بين استجابة الرجال والنساء قد يكون أحد المؤشرات على ذلك، كما تشير بعض الدراسات الفسيولوجية إلى أن توقيت الدورة الشهرية يمكن أن يؤثر أيضا على الاستجابة لـ"GLP-1". وأضاف أن استخدام العلاج الهرموني البديل لانقطاع الطمث، الذي يحتوي على هرمون الإستروجين، ارتبط بفقدان أكبر للوزن لدى مستخدمات "سيماغلوتيد".

الجينات قد تلعب دورا أيضا

ولا تتوقف الاحتمالات عند الهرمونات، إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن العوامل الوراثية قد يكون لها دور في تحديد مدى استجابة الجسم لهذه الأدوية. وسلطت دراسة حديثة الضوء على دور متغير جيني يؤثر على مستقبلات في الدماغ تعمل عليها أدوية "GLP-1".

وقال آدم أوتون، نائب رئيس قسم علم الوراثة البشرية في معهد "23andMe" للأبحاث والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن الأشخاص الذين يحملون هذا المتغير الجيني فقدوا في المتوسط نحو 0.76 كيلوجرام إضافي، بينما تضاعف هذا الرقم لدى من يحملون نسختين من المتغير. وأضاف أن ذلك يمثل نحو 10% من الوزن الذي قد يتوقع الشخص فقدانه عند استخدام هذه الأدوية.