بالتزامن مع انطلاق مونديال 2026، تتكرر مشاهد التفاعل في مدرجات كرة القدم وداخل المنازل في أنحاء العالم؛ صراخ، قفز، توتر، وردود فعل مُحمّلة بالمشاعر مع كل فرصة أو هدف محتمل، الجميع يُقر بأنه يعيش التجربة نفسها، حيث يندمج مع المباراة بشكل كامل، ويرتفع صوته وينفعل إلى درجة قد تدفعه إلى ردود فعل يعرف مسبقًا أنها لا تؤثر على النتيجة، لكنها تحدث تلقائيًا مع تطور اللعب.
هذا التفاعل يرتبط مباشرةً باستجابات جسدية تظهر مع ارتفاع الانفعال، مثل التعرق وتسارع ضربات القلب والشعور بالتوتر، وهي استجابات لا تختلف كثيرًا عن تلك التي تظهر في مواقف ضغط يومية مثل العروض التقديمية أو المقابلات المهمة، ومع اتساع قاعدة المشجعين حول العالم، يتضح أن هذه الاستجابة ليست فردية، بل نمط شائع يتكرر مع متابعة المباريات، وفقًا لشبكة تليفزيون "NBC News" الأمريكية.
الدماغ يتفاعل مع لحظات الفوز والخسارة
يرتبط هذا التفاعل بما يُعرف في علم الأعصاب بـ"خلايا المرآة"، وهي خلايا عصبية تساعد الدماغ على محاكاة مشاعر وتجارب الآخرين، ويشرح ديفيد إزيل، المستشار المهني المرخص والمدير السريري والرئيس التنفيذي لمزود العلاج دارين ويلنس، أن هذه الخلايا تجعل المشجعين يعيشون جزءًا من تجربة اللاعبين نفسيًا، حتى دون وجود مشاركة فعلية داخل الملعب.
ويقول إزيل: "تتضخم هذه المشاعر عندما نشاهد فريق كرة قدم أو لاعب نشجعه لأننا نعرفه، فعندما نراهم في الملعب نشعر بجزء من المشاعر التي يشعرون بها لأن خلايا المرآة لدينا تعمل بعيدًا"، وبذلك، لا يكون التفاعل مجرد متابعة بصرية، بل استجابة دماغية تحاكي الحدث بدرجة جزئية.
على المستوى البيولوجي، يتغير نشاط الدماغ تبعًا لنتيجة المباراة، فعند الفوز أو الأداء الجيد، يفرز الدماغ الدوبامين المرتبط بالإحساس بالمكافأة والمتعة. بينما يؤدي الخسارة أو الأداء السيئ إلى زيادة إفراز الكورتيزول المرتبط بالتوتر.
ويشير الدكتور ريتشارد شوستر، عالم النفس الإكلينيكي ومقدم بودكاست "The Daily Helping"، إلى أن التأثير لا يتوقف عند هرمونات التوتر فقط، بل قد يمتد إلى انخفاض مستويات السيروتونين، ما ينعكس على الحالة المزاجية ويزيد من مشاعر الغضب أو الإحباط بعد الخسارة.
من القلب إلى المعدة.. هكذا يتأثر الجسم
التفاعل مع المباريات لا يظل داخل الدماغ، بل يظهر في الجسد بشكل واضح، مشاعر التوتر والقلق قد تؤدي إلى تسارع ضربات القلب والتعرق والشعور بما يُعرف بـ"الفراشات في المعدة".
ويقول مايكل غرابوفسكي، أستاذ الاتصال في كلية مانهاتن، إن هذه الاستجابات ليست تخيّلًا: "عندما تشعر بالقلق قبل أو في أثناء المباراة، فليس خيالك، بعض الدراسات تشير إلى أن مشجعي الرياضة قد يشعرون بقلق شديد قبل المباريات الكبرى، يشبه إلى حد كبير ما يشعر به اللاعبون أنفسهم".
وتشير أبحاث إلى أن معدل ضربات القلب لدى بعض المشجعين قد يرتفع إلى مستويات قريبة من تلك المسجلة في أثناء التمارين الشديدة، وفقًا لـ "NBC News".
وعند لحظات الحسم، يدخل الجسم في حالة نشاط فسيولوجي واضحة نتيجة إفراز الأدرينالين، ما يؤدي إلى تسارع ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، مع إعادة توزيع تدفق الدم نحو العضلات والقلب في إطار استجابة "القتال أو الهروب".
ويشرح الدكتور جيسون دي. هانكس، مدير قسم التخدير في مركز نيويورك للجراحات، أن هذه الاستجابة قد تسبب أيضًا الإحساس المعروف بـ"الفراشات في المعدة"، نتيجة انخفاض تدفق الدم إلى الجهاز الهضمي.
وفي دراسة نُشرت في المجلة الكندية لأمراض القلب، تبيّن أن متابعة المباريات الرياضية قد ترفع معدل ضربات القلب إلى مستويات مماثلة لتلك التي تُسجل في أثناء التمارين الشديدة، وهو ما يدعمه أيضًا شوستر.
ورغم أن هذه التغيرات لا تمثل خطرًا على معظم الأشخاص الأصحاء، فإن شوستر يشير إلى أن بعض الفئات، مثل كبار السن أو من يعانون من مشكلات صحية، قد يكونون أكثر عرضة لمضاعفات في أثناء المباريات عالية التوتر.
وتُعد مشاهدة كرة القدم ليست تجربة سلبية أو بسيطة، بل نشاط يتداخل فيه النفسي بالجسدي بشكل مباشر، رغم أنها تظل في الأساس وسيلة ترفيه، وكما يقول هانكس: "في النهاية علينا أن نتذكر أن الرياضة مخصصة للترفيه، وليست لإضافة مزيد من الضغوط".












