لطالما تساءل الكثيرون عن السر الكامن وراء ملاحقة البعوض لأشخاص بعينهم، وهل للأمر علاقة بفصيلة الدم أم برائحة معينة؟، مؤخراً، وضع باحثون من معهد "جورجيا تك" ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) حداً لهذه التكهنات عبر دراسة رائدة حللت 20 مليون نقطة بيانات لمراقبة سلوك إناث البعوض.
النتائج لم تكن مجرد ملاحظات عابرة، بل نموذج رياضي دقيق يفك شفرة "الروبوتات الطائرة" التي تفتك بأكثر من 700 ألف شخص سنوياً عبر نقل أمراض فتاكة كالملاريا وزيكا.
كيف يحدد البعوض ضحيته؟
كشفت الدراسة أن البعوض لا يمتلك "قائداً" يتبعه، بل يعمل كل بعوضة بشكل مستقل تماماً، تخيل الأمر كزبائن ينجذبون لمطعم شهير؛ هم لا يتبعون بعضهم البعض في الشارع، بل يقصدون نفس المكان بسبب "المحفزات" المشتركة، في عالم البعوض، هذه المحفزات هي إشارات غير مرئية تتفاعل معها الحشرة برمجياً للوصول إلى الهدف.
عبر كاميرات ثلاثية الأبعاد تعمل بالأشعة تحت الحمراء، رصد العلماء كيف تترجم الحشرة الإشارات البيئية إلى مسارات طيران دقيقة، مما يوفر أول تصور تفصيلي لسلوكها العدائي.
ثنائية الكربون واللون
ركزت التجارب على بعوضة "إيديس إيجبتاي"، المسؤولة عن الحمى الصفراء، وأثبتت النتائج أن الجاذبية القاتلة تكمن في مزيج بين ثاني أكسيد الكربون الذي يخرج مع زفير الإنسان، والتباين البصري.
الهدف الأسود وحده، يجذب البعوض فقط عندما يقترب منه، لكنه لا يبقيه طويلاً.
الهدف الأبيض مع الغاز، يساعد البعوض على تحديد المصدر لكن من مسافة قريبة جداً.
المزيج المثالي، عندما يجتمع اللون الأسود (أو الداكن) مع تدفق ثاني أكسيد الكربون، يتحول الشخص إلى مغناطيس حقيقي، حيث تتشكل أسراب كثيفة وتستقر لفترات طويلة محاولة التغذية.
أين تتركز الهجمات؟
في اختبارات جريئة، قام الباحثون بمراقبة حركة البعوض حول جسد بشري داخل غرف محكومة، ارتدى المتطوعون ملابس بألوان مختلفة، وأظهرت النتائج أن البعوض يمتلك "خريطة حرارية" لاستهداف الضحية.
كانت المناطق الأكثر عرضة للتجمع هي الرأس والكتفين، والحشرات تعاملت مع الجسد البشري كأنه آلة إشارات متدفقة، حيث يتركز الزفير (الغاز) وتبرز الخطوط العريضة للجسم (البصري)، مما يجعل الجزء العلوي من الجسم الساحة المفضلة لوليمة البعوض.
هل نودع اللدغات قريباً؟
هذه الدراسة لا تهدف فقط لفهم العدو، بل لهزيمته، حيث اقترح الباحثون تطوير مصائد "ذكية" تعمل بنظام الشفط المتقطع بدلاً من المستمر، بناءً على حقيقة أن البعوض يغير سلوكه ومساره إذا فقد إحدى الإشارات (البصرية أو الغازية)، لذلك فإن فهم القواعد التي تحرك هذه "الروبوتات الصغيرة" يفتح الباب لتصميم مدن ومنازل أكثر أماناً، وتقنيات اصطياد تعتمد على خداع حواس البعوض بدقة رياضية، مما يقلل من معدلات الإصابة بالأمراض العالمية.













