حين نتأمل وجه طفل صغير ينظر إلى الكاميرا بعينين تملؤهما البراءة، قد يصعب علينا تخيل ما سيؤول إليه مستقبل هذا العقل بعد عقود، لكن هذه الصورة النمطية التي تربط الخرف بالشيخوخة تتهاوى أمام حقائق علمية، تؤكد أن عوامل الخطر تبدأ قبل الولادة وتتطور خلال الطفولة، فكل مرحلة عمرية ترسم ملامح ذكائنا المستقبلي.
تبدأ القصة من اللحظات الأولى داخل الرحم، إذ حدد باحثون في السويد وجمهورية التشيك مجموعة من عوامل الولادة المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالخرف في وقت لاحق من الحياة. وتتضمن هذه العوامل مشاركة الرحم مع توأم أو قصر الفترات الفاصلة بين الولادات، بالإضافة إلى الحمل بعد سن الخامسة والثلاثين، مما يجعل من صحة الدماغ رحلة مستمرة تبدأ قبل الأنفاس الأولى ولا تنتهي عند حدود خريف العمر.
وتتزايد الأدلة العلمية لتؤكد أن الاختلافات في بنية الدماغ المرتبطة بالخرف لدى كبار السن ربما كانت موجودة جزئيًا منذ الصغر. ويوضح فريق البحث في دراسات تتبعت القدرات الإدراكية أن مستوى المهارات في سن الحادية عشرة يمثل أهم العوامل التي تفسر كفاءة الشخص في سن السبعين، حيث يقول الباحثون إن «كبار السن الذين يعانون من ضعف في المهارات الإدراكية غالبا ما كانوا يمتلكون هذه المهارات المنخفضة منذ الطفولة».
ولا يقل حجم التحدي عند الانتقال من الطفولة إلى الشباب، إذ تمثل مرحلة البلوغ بين سن الثامنة عشرة والتاسعة والثلاثين نافذة محورية للتدخل الوقائي. وتقول عالمة الأعصاب فرانشيسكا فارينا، إن إشراك الشباب كشركاء رئيسيين في جهود البحث وصنع السياسات، يمكن أن يقلل بشكل كبير من مخاطر الإصابة بالخرف، وذلك عبر معالجة مسارات تتداخل فيها أنماط الحياة مع العوامل البيئية والمشكلات الصحية المتراكمة.
وصنف الخبراء هذه المخاطر لتشمل الخمول البدني، والعزلة الاجتماعية والتدخين، بالإضافة إلى عوامل بيئية مثل التلوث وفقدان السمع أو البصر الذي قد يؤدي إلى تدهور المسارات العصبية. وتضاف إليها تحديات صحية مثل السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم، وهي مشكلات تنبع غالبًا من خيارات يومية بسيطة تتراكم آثارها لتشكل عبئا ثقيلاً على صحة العقل مع مرور السنين.
ويتطلب تخفيف هذه المخاطر استراتيجية متكاملة تبدأ من الوعي الفردي وتنتهي بالسياسات الوطنية الشاملة. ويقترح الباحثون صياغة ميثاق لصحة الدماغ وإشراك مجالس استشارية من الشباب لتوفير معرفة سياقية حول الاحتياجات المجتمعية، خاصة مع وجود رغبة حقيقية لدى الجيل الجديد لفهم التنوع العصبي وتحسين جودة الحياة الذهنية، لضمان تحويل الوقاية من الخرف إلى أسلوب حياة مستدام يرافق الإنسان منذ المهد وحتى الرمق الأخير.













