في قاعة اجتماعات هادئة يستقر طبق من البسكويت على الطاولة، ليختبر الإرادة البشرية أمام إغراء الطعام، فتتفاوت الاستجابات بصورة تثير الانتباه، حيث يلتقط أحدهم قطعة بلمح البصر ويمضغها آخر دون وعي، بينما يقضي رابع وقته يقاوم رغبة عارمة في تناولها.
تروي هذه التذبذبات قصة أعمق عن علاقتنا بما نأكل، وهو ما يوضحه أستاذ علم الغدد الصماء العصبية الجزيئية في جامعة كامبريدج «جايلز يو»، مفرقًا بين الجوع كشعور جسدي يسبق القرار، والشهية التي تشمل كل ما يحيط بعملية الأكل بدءًا من الجوع والشبع، وصولًا إلى الشعور بالمكافأة.
تعمل هذه الأحاسيس عبر منظومة متناغمة تقودها منطقة ما تحت المهاد، لمراقبة مستويات السكر وهرموني اللبتين والجريلين لتوليد الجوع، ويتدخل الدماغ المؤخر ليرسل إشارة التوقف عبر العصب المبهم حين تتمدد المعدة.
تأتي المكافأة من شبكة عصبية عليا مدفوعة بالدوبامين لتصنع مثلثًا تتغير أضلاعه باستمرار، ويفسر قدرتنا على التهام كعكة الشوكولاتة رغم امتلاء معدتنا تمامًا.
ورغم غياب الإشارة الدقيقة لنسبة البشر الذين يستسلمون لهذه الإغراءات، تشير المعطيات إلى أن لأكثر من ألف جين دورًا محوريًا في تحديد تأخر الشعور بالجوع أو سرعة تنشيط نظام المكافأة في الدماغ.
يتجاوز نداء المعدة الفارغة مجرد الحاجة للطاقة لتتدخل الحواس في تفعيل دوائر الشهية بمعزل عن المخزون الفعلي، ويشرح المتخصص في علم الأعصاب الغذائي «تيموثي فراي» كيف تتفاعل الروائح والمشاهد المرئية والأصوات المرتبطة بالقرمشة مع مناطق تنظيم الشهية، لترفع إشارات الدوبامين مؤقتا وتضاعف الرغبة في الأكل.
تزداد الصورة تعقيدًا مع التوتر والإرهاق، حيث تتراجع قدرة قشرة الفص الجبهي على التنظيم، وتظل أنظمة المكافأة في أوج نشاطها طالبة وقودًا سريعًا من الأطعمة السكرية والدهنية فائقة المعالجة.
ويؤدي الإفراط المستمر في الكربوهيدرات المكررة والسكريات بمرور الوقت إلى إضعاف مستقبلات الأنسولين واللبتين، ليفقد الإنسان القدرة على تحديد لحظة التوقف عن الأكل.
وتدرك شركات الأغذية هذه الآليات العصبية جيدًا لتستغلها عبر ضخ روائح ذكية في المطاعم، أو تصميم أطعمة تخلط بين الكربوهيدرات والدهون كالمعجنات والبيتزا، مما يعطل أنظمة الشبع الفطرية عن تقدير السعرات الحرارية ويضع بيولوجيا الإنسان القديم في مواجهة بيئة غذائية مصممة لاختراق قدراته باحترافية.
وأمام هذا الفخ الاستهلاكي المفتعل ينصح «فراي» بتطوير طلاقة ذهنية غذائية تدرك الدافع وراء الرغبة في الأكل وتتعامل معه بوعي تام. يتحقق هذا الدفاع بوقفة قصيرة قبل الاستسلام للاندفاع وطرح سؤال مباشر يستكشف ما يولد هذه الإشارة في اللحظة الراهنة، لتفعيل قشرة الفص الجبهي ونقل السلوك من التلقائية إلى التحكم المباشر.
ولا يبدو التعويل على المسؤولية الفردية كافيا وحده في مواجهة أمراض تفتك بالبشرية، وهو ما يؤكده «يو»، مبينًا أن توجيه النصح للأفراد أمر ضروري، غير أنه يعفي صناع القرار من مسؤولياتهم الصحية، مضيفا أن تحسين بيئتنا الغذائية يتطلب تحركًا شاملًا يحمي العقول من التلاعب الممنهج.












