أظهرت دراسة تحليلية موسعة، استندت إلى مراجعة 190 بحثًا علميًا شملت قرابة 3 ملايين شخص، تحديد مجموعة من العوامل التي تزيد من احتمالية إصابة الأطفال بالحساسية الغذائية، سواء كانت عوامل رئيسية أو ثانوية، ما يعزز فهم أسباب تطور هذه الحالة في سن مبكرة.
مدى انتشار حساسية الطعام
ووفقًا لما نشره موقع " iflscience " تُعد حساسية الطعام من المشكلات الصحية التي قد تتجاوز حدود الإزعاج العابر لتصل في بعض الحالات إلى تهديد الحياة. ووفق بيانات منظمة Food Allergy Research & Education (FARE)، فإن نحو 33 مليون شخص في الولايات المتحدة يعانون من حساسية الطعام، من بينهم ما يقارب 8% من الأطفال، فيما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 40% من الأطفال المصابين تعرّضوا لنوبات تحسسية شديدة.
وتُعرف أخطر هذه النوبات باسم «التأق»، وهي حالة طبية طارئة تستلزم تدخلاً سريعًا، لذلك يحمل العديد من المصابين حقن الإبينفرين الذاتية لاستخدامها عند الضرورة. وتشمل أعراض التأق تورمًا في الشفتين أو اللسان، وصعوبة في البلع، وضيقًا في التنفس.
ورغم أن بعض أعراض الحساسية قد تكون خفيفة، فإنها قد تستدعي متابعة طبية بحسب شدتها واختلاف استجابة كل شخص. وتتنوع مسببات الحساسية الغذائية، غير أن من أكثرها شيوعًا المكسرات، والمحار، والبيض، ومنتجات الحليب.
تكشف البيانات الحديثة عن ارتفاع ملحوظ في أعداد المصابين بحساسية الطعام، ما يزيد من مخاوف الأسر، خصوصًا لدى الآباء الذين يواجهون القلق بعد تشخيص إصابة أطفالهم، أو حتى قبل ظهور أي أعراض في حال الاشتباه بوجود قابلية للإصابة.
وفي هذا السياق، يسلّط التحليل التلوي الجديد الضوء على عوامل الخطر المرتبطة بالحساسية الغذائية، بعدما ظل تحديد الأطفال الأكثر عرضة للإصابة أمرًا غير واضح في كثير من الأحيان.
اعتمدت الدراسة، التي أعدها باحثون من مؤسسات علمية في كندا والأرجنتين والولايات المتحدة، على مراجعة دقيقة لـ190 دراسة سابقة شملت مشاركين من 40 دولة. ومن بين 176 دراسة جرى تحليلها بعمق، حدد الباحثون 342 عامل خطر مختلفًا، ما يشير إلى أن الحساسية الغذائية لا ترتبط بسبب واحد، بل تتداخل فيها مجموعة معقدة من العوامل.
أوضحت دراسة بعنوان «أطفال يعانون من حساسية الطعام»، صادرة عن Asthma and Allergy Foundation of America، أن عوامل الخطر المرتبطة بالحساسية الغذائية جرى تصنيفها وفق درجة قوة الأدلة العلمية.
عوامل الخطر وراء حساسية الطعام
وبيّنت الدراسة وجود 38 عامل خطر بدرجة يقين مرتفعة، وهي العوامل التي تكررت نتائجها في دراسات قوية التصميم. ومن أبرزها إصابة الرضع بالإكزيما أو الحساسية الموسمية أو الأزيز، وتأخر إدخال الفول السوداني إلى النظام الغذائي للطفل، إضافة إلى وجود تاريخ عائلي لحساسية الطعام، خاصة لدى الأم أو الأشقاء.
كما حددت الدراسة عوامل أخرى بدرجة يقين متوسطة، من بينها الإكزيما الشديدة أو جفاف الجلد، أو ظهور الإكزيما في مراحل متأخرة من الطفولة، والتعرض للمضادات الحيوية خلال الحمل أو الرضاعة، والولادة القيصرية، إلى جانب بعض العوامل الديموغرافية.
وخلصت النتائج إلى أن معدل انتشار حساسية الطعام يبلغ نحو 4.7%، وهي نسبة تقل عن كثير من التقديرات السابقة المتداولة.
رغم تعدد عوامل الخطر المرتبطة بحساسية الطعام، تشير البيانات إلى أن احتمالية الإصابة تظل منخفضة بشكل عام. ومع ذلك، توفر هذه النتائج فائدة مهمة للأطباء، الذين يسعون منذ سنوات إلى تطوير استراتيجيات تقلل من فرص تطور الحساسية لدى الأطفال الأكثر عرضة للإصابة، وقد دعمت الدراسة عددًا من هذه التوجهات.
ومن أبرز ما توصلت إليه الأبحاث الحديثة فهم العلاقة بين الإكزيما وحساسية الطعام. فالإكزيما قد تُضعف حاجز الجلد، ما يسمح بدخول جزيئات دقيقة من الطعام إلى الجسم قبل تناوله فعليًا، الأمر الذي قد يُحفّز الجهاز المناعي ويزيد من احتمالية ظهور الحساسية لاحقًا.
كما شهدت التوصيات المتعلقة بإدخال الفول السوداني إلى غذاء الأطفال تحولًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. فبعد أن كان يُنصح بتأجيل تقديمه للأطفال المعرضين للخطر، أظهرت الدراسات أن إدخاله مبكرًا وبشكل منتظم قد يُسهم في تقليل احتمال الإصابة بحساسيته بشكل كبير.
في المقابل، تؤكد جهات معنية أن بعض عوامل الخطر لا يمكن تفاديها، مثل الحاجة إلى استخدام المضادات الحيوية لعلاج عدوى لدى الرضع، حيث تبقى أولوية العلاج أهم من القلق بشأن احتمال زيادة خطر الحساسية.
وعلى الرغم من عدم توفر وسيلة دقيقة للتنبؤ بالحساسية قبل حدوث رد الفعل، تشير النتائج إلى أن التوجيهات الحديثة تسير في الاتجاه الصحيح، مع توقعات بمزيد من التطورات في مجالي الوقاية والعلاج خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضًا :
لماذا يختلف تأثير العدوى من شخص لآخر؟












