هل أنت من الأشخاص الذين يصلون إلى ذروة نشاطهم وإنتاجيتهم ليلاً؟ دراسة واسعة كشفت أن السهر المتأخر قد يكون مرتبطًا بصحة قلب أضعف على المدى الطويل، مقارنة بأولئك الذين يفضّلون الاستيقاظ مبكرًا أو لديهم نمط متوسط من النشاط اليومي.
تابعت الدراسة أكثر من 322 ألف بالغ على مدار نحو 14 عامًا، ودرست العلاقة بين نمط النوم والنشاط اليومي وصحة القلب، مع تصنيف المشاركين إلى مجموعات: صباحيون، متوسطو النشاط، ومسائيون.
اعتمد الباحثون في تقييمهم على معيار "أساسيات الحياة الثمانية" لجمعية القلب الأمريكية، وهو مقياس يدمج السلوكيات الصحية والمؤشرات الحيوية كضغط الدم، السكر، الكوليسترول، وجودة النوم.
وأظهرت النتائج أن الأفراد ذوي النمط المسائي المتأخر كانوا أكثر عرضة بنسبة 79% لتسجيل درجات ضعيفة في صحة القلب مقارنة بالنمط المتوسط، كما رصدت الدراسة ارتفاعاً في خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية بنسبة 16% لدى هذه الفئة، في حين أظهر النمط الصباحي انخفاضًا في هذه المخاطر بنسبة 5%، مما يعكس ميزة وقائية للانسجام مع الدورة الضوئية الطبيعية.
أسلوب الحياة وراء الفجوة
أوضح الباحثون أن أسلوب الحياة يلعب دورًا رئيسيًا في هذه النتائج. فمحبو السهر سجلوا مستويات أعلى من التدخين، ونومًا أقل جودة، ونشاطًا بدنيًا أقل، ونظامًا غذائيًا أضعف مقارنة بالأشخاص ذوي النمط المتوسط، وعند احتساب هذه العوامل، تبين أن نحو ثلاثة أرباع زيادة المخاطر لدى محبي السهر تعود إلى نمط حياتهم، وليس طبيعة ساعتهم البيولوجية وحدها.
كانت أبرز العوامل المؤثرة التدخين بنسبة 34%، قلة النوم 14%، ارتفاع السكر في الدم 12%، والنظام الغذائي والوزن بنسبة 11% لكل منهما.
وأشار الباحث الرئيسي، سينا كيانرسي من مستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد، إلى أن "محركات صحة القلب قابلة للتعديل، بما في ذلك مستوى التعرض للنيكوتين ومستوى النشاط البدني والنظام الغذائي".
وأكدت دراسات سابقة أن السهر المتأخر غالبًا ما يقترن بعادات مثل تناول وجبات ليلية، تفويت وجبة الإفطار، نوم غير منتظم، والاعتماد على الكافيين أو النيكوتين، وهي سلوكيات ترتبط بارتفاع الوزن، مقاومة الإنسولين، وارتفاع الدهون الضارة في الدم.
الجانب البيولوجي
السهر المتأخر ليس مجرد خيار شخصي، بل يرتبط أيضًا بعوامل وراثية تتحكم في الساعة الداخلية للجسم، أو ما يعرف بالإيقاع اليومي، الذي ينظم النوم، الشهية، الهرمونات، ووظائف القلب.
يمتاز الأشخاص ذوو النمط المسائي بتأخر ارتفاع هرمون الميلاتونين الذي يحفز النوم مساءً، وكذلك تأخر ارتفاع هرمون الكورتيزول الذي ينشط الجسم صباحًا. هذا التأخير قد يخل بتوازن الجسم مع دورة الليل والنهار، ويجعل نظام "القتال أو الهروب" أكثر نشاطًا من اللازم، ما قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم ليلاً وزيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي، ويؤثر على الأوعية الدموية وتوازن السكر والدهون في الدم.
كما تؤثر بعض الجينات المرتبطة بالنمط الزمني في كيفية تعامل الجسم مع الدهون والسكريات، وأظهرت الدراسات أن محبي السهر معرضين لارتفاع مستويات الدهون الثلاثية وعلامات الالتهاب مقارنة بالصباحيين، ما قد يرفع خطر مقاومة الإنسولين واضطراب الكوليسترول.
وأظهرت بعض الدراسات المبكرة فروقًا دقيقة في بنية القلب ووظيفته لدى محبي السهر، لكن آثارها طويلة المدى لا تزال تحت البحث.
الفوارق بين الجنسين
برزت ضمن النتائج فروق جوهرية تعتمد على الجنس؛ إذ بدا أن الارتباط بين السهر المتأخر وتدهور صحة القلب كان أكثر حدة لدى النساء مقارنة بالرجال، فقد سجلت النساء ذوات النمط المسائي زيادة في احتمالية تدني صحة القلب تصل إلى 96%، مقابل 67% لدى الرجال.
ويرى الخبراء أن هذا التفاوت قد يعود إلى تفاعلات هرمونية معقدة أو نتيجة للضغوط الاجتماعية المتضاعفة التي تواجهها النساء في محاولة التوفيق بين ساعتهن البيولوجية والمتطلبات الأسرية والمهنية الصباحية، مما يستدعي دراسات أعمق لفهم هذه الخصوصية.
تخلص الدراسة إلى أن محركات صحة القلب تظل قابلة للتعديل إلى حد كبير؛ فالوعي بالمخاطر المرتبطة بالنمط المسائي يفتح الباب أمام تدخلات وقائية تركز على تحسين جودة النوم والالتزام بنشاط بدني ونظام غذائي متوازن.
وبحسب الباحثين، فإن تحييد العوامل السلوكية السلبية مثل التدخين وسوء التغذية يمكن أن يقلص الفجوة الصحية بشكل كبير، مما يمنح محبي السهر فرصة لحماية قلوبهم بغض النظر عن طبيعة ساعتهم البيولوجية.













