شهدت السنوات الماضية تصاعدًا ملحوظًا في الدراسات التي تبحث في أثر بيئة العمل على الصحة النفسية وجودة العلاقات، داخل المؤسسة وخارجها. وتشير هذه الأبحاث إلى واقع مقلق يتمثل في تغلغل ضغوط العمل في تفاصيل الحياة اليومية، بما يترك آثارًا نفسية وسلوكية قد تمر دون انتباه أصحابها.
تأثير بيئة العمل على الصحة النفسية
ووفقًا لموقع " psychologytoday"، تعكس البيانات الحديثة هذا الاتجاه بوضوح؛ إذ سجّل عدد الموظفين الذين يعانون من ضغوط عمل مرتفعة أعلى مستوياته خلال السنوات الخمس الأخيرة. ووفق استطلاع أجرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس عام 2024، أفاد 43% من العاملين بأنهم يواجهون مستويات عالية من الضغط في وظائفهم، فيما أبلغ 67% عن معاناتهم من أعراض الاحتراق الوظيفي، وهو ما يفسّر تراجع معدلات الرضا الوظيفي إلى أدنى مستوياتها المسجلة.
يمثل الإجهاد المزمن والإرهاق المستمر خطرًا حقيقيًا لا يهدد التوازن النفسي فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الصحة الجسدية أيضًا. فالتعرض المطوّل لضغوط العمل يرتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض القلب والشرايين، واضطرابات الجهاز الهضمي، والسكري، ومشكلات الجهاز التنفسي، إضافة إلى اضطرابات القلق والاكتئاب، وتعاطي الكحول والمخدرات، بل وحتى زيادة معدلات الوفاة.
ولا تتوقف التداعيات عند حدود الصحة الشخصية؛ إذ أظهرت أبحاث حديثة أن بيئات العمل المرهِقة تقوّض أداء الموظفين أنفسهم. فالمتطلبات المفرطة تسهم في زيادة الأخطاء، وتراجع الكفاءة والإنتاجية، كما تدفع البعض إلى سلوكيات غير واعية تُفاقم التوتر وتعمّق الشعور بالإنهاك، ما يخلق دائرة مفرغة من الضغط المتواصل.
تأثير العمل على الحياة الشخصية
لا يقتصر تأثير العمل على ساعات الدوام فحسب، بل يمتد ليطاول حياتنا الخاصة وعلاقاتنا الأسرية بدرجة تفوق ما نعتقد. فكثيرًا ما نستهين بمدى تسلل ضغوط العمل إلى أجواء المنزل، وما تسببه من توتر خفي قد يتحول إلى خلافات داخل أكثر العلاقات أهمية في حياتنا.
وغالبًا ما تتبع الأيام المرهِقة في المكتب أجواء مشحونة في البيت، دون أن نربط بين الأمرين بشكل واعٍ. فقد نجد أنفسنا أكثر حساسية أو أقل تقبّلًا لمحاولات التقارب من الشريك أو أفراد الأسرة، رغم استمرار مشاعر الحب والارتباط. هذا التباعد العاطفي لا يكون مقصودًا، بل هو انعكاس لضغطٍ ينتقل من بيئة العمل إلى المنزل بشكل غير مباشر.
وتشير دراسات حديثة إلى أن آثار الإجهاد المهني لا تتوقف عند الشخص نفسه؛ إذ يمكن أن تمتد إلى الشريك، بحيث تزيد احتمالية ظهور أعراض الإرهاق لديه أيضًا عندما يعاني الطرف الآخر من ضغوط عمل مفرطة.
لا يتوقف تأثير العمل عند حدود المكان أو الزمن، بل يمتد إلى مساحات التفكير ذاتها. وتؤكد نتائج دراسات متكررة أنه كلما ارتفعت مستويات التوتر والقلق خلال يوم العمل، زادت صعوبة الانفصال الذهني عنه مساءً، حتى مع وجود رغبة حقيقية في الاسترخاء.
فبينما يحاول البعض قضاء وقت هادئ مع العائلة أو الأصدقاء، يظل الذهن مشغولًا باستعادة مواقف القلق والضغوط التي مر بها خلال اليوم. ورغم محاولات التركيز على اللحظة الراهنة، سرعان ما تعود الأفكار المرتبطة بالعمل لتفرض حضورها من جديد.
وحتى في الحالات التي يتمكن فيها الأفراد من الابتعاد عن العمل ليلًا أو خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإن آثاره لا تختفي بالكامل. فقد أظهرت دراسة حديثة أن كثافة يوم العمل تنعكس مباشرة على طبيعة أوقات الفراغ؛ فكلما كان اليوم أكثر إجهادًا، ارتفع الشعور بالإرهاق عند العودة إلى المنزل، وزادت احتمالية قضاء المساء في أنشطة سلبية مثل مشاهدة المسلسلات لساعات طويلة أو متابعة الأخبار المثقلة بالضغوط.
ورغم أن هذه السلوكيات قد تبدو وسيلة للتعافي بعد يوم شاق، تشير النتائج إلى أن كثيرين يستيقظون في اليوم التالي وهم لا يزالون يفتقرون إلى الطاقة والحيوية، ما يعزز دائرة الإجهاد المتكرر.
لم يعد تأثير العمل مقتصرًا على ساعات الدوام، بل امتد ليزاحم حتى أبسط أشكال العناية بالذات. فعلى الرغم من أن الاكتشاف المبكر يتيح علاج معظم أنواع السرطان بفاعلية، ويُشخَّص نحو نصف الحالات بين البالغين في الولايات المتحدة عبر الفحوصات السنوية، أظهر استطلاع حديث أن 23% من البالغين يؤجلون أو يتغيبون عن هذه الفحوصات بسبب تعارضها مع ساعات العمل.
وتكشف أبحاث أخرى أن ارتفاع ضغوط العمل يرتبط بزيادة الإقبال على الأطعمة غير الصحية، وتراجع معدلات ممارسة الرياضة، إضافة إلى ضعف القدرة على إنجاز المهام اليومية الأساسية مثل تنظيف المنزل، ودفع الفواتير، والتسوق، وإجراء الإصلاحات الضرورية. ومع مرور الوقت، قد يتراكم هذا التقصير إلى درجة تقترب من الإهمال الذاتي، رغم أن أسبابه تعود في جوهرها إلى استنزاف العمل لا إلى العجز الشخصي.
ويصف خبراء ضغط العمل في بيئة اليوم بأنه يشبه «كرة البينبول» التي ترتد من جانب إلى آخر، ناقلة التوتر من مجال إلى آخر، من المكتب إلى المنزل ثم العودة مجددًا. هذه الحلقة المفرغة تُبقي مستويات الضغط مرتفعة لفترات طويلة، وهو ما يفسّر تصاعد معدلات الإرهاق الوظيفي على نحو غير مسبوق.
اقرأ أيضًا :
الضغط النفسي ليس دائمًا عدو الإبداع في العمل
6 ممارسات تنهي معركة وقت النوم مع الأطفال
ما هو سر الحياة المليئة بالرضا؟












