غالبًا ما يُنظر إلى أمراض القلب على أنها زائر ثقيل يأتي في خريف العمر، إلا أن عقارب الساعة البيولوجية للرجال تدق بوتيرة أسرع مما كان معتقدًا. ففي الوقت الذي يحتفل فيه الرجل بعيد ميلاده الخامس والثلاثين، تبدأ رحلة صامتة من التباعد الصحي بينه وبين المرأة، حيث يواجه خطرًا متزايدًا للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية يسبق النساء بسنوات عديدة.
وتكشف دراسة طويلة الأمد أن خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لا ينتظر الشيخوخة، بل يبدأ في الظهور سريريًا لدى الرجال في عمر أبكر بكثير مما كان يُعتقد، وبفارق زمني واضح عن النساء.
تابعت الدراسة التي نُشرت في «Journal of the American Heart Association» أكثر من 5,000 شخص منذ مرحلة الشباب، وخلصت إلى أن الرجال يصلون إلى مستويات ذات دلالة سريرية من أمراض القلب والأوعية الدموية قبل النساء بنحو سبع سنوات.
هذه النتيجة لا تعيد فقط ضبط ساعة الخطر، بل تفرض إعادة نظر في توقيت الانتباه الطبي، ومن يطرق باب العيادة، ومتى.
فجوة لا تبدأ فجأة
توضح النتائج أن الفارق بين الرجال والنساء لا يظهر منذ البداية. حتى أوائل الثلاثينات، بدا الخطر القلبي متقاربًا بين الجنسين. لكن عند نحو سن 35، يبدأ المنحنى في الانفصال. منذ تلك اللحظة، يسير خطر الرجال في مسار أعلى وثابت.
وباستخدام نوافذ متحركة للخطر تمتد 10 سنوات، بدلًا من تقدير خطر عمري واحد، قاس الباحثون احتمال الإصابة خلال العقد التالي في كل عمر.
عند سن 50، بلغ خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية خلال 10 سنوات نحو 6% لدى الرجال، مقابل قرابة 3% لدى النساء. وعلى مستوى التراكم، كان 5% من الرجال قد أصيبوا بالفعل بمرض قلبي وعائي عند نحو سن 50، بينما لم تصل النساء إلى النسبة نفسها إلا عند قرابة سن 57.
هذه الفجوة الزمنية، التي لطالما قُدّرت بعشر سنوات، تظهر هنا بوضوح مختلف، وتدفع إلى تفكيك ما وراءها.
ما الذي يفسّر الفارق؟
تاريخيًا، ارتبط ما يُعرف بـ«فجوة العشر سنوات» أساسًا بمرض الشريان التاجي، الناتج عن تضيق أو انسداد شرايين القلب بسبب تراكم اللويحات.
وتقول أليكسا فريدمان، الباحثة الرئيسية في الدراسة وأستاذة الطب الوقائي المساعدة في كلية فاينبرج للطب بجامعة نورث وسترن في شيكاغو، إن «فجوة العشر سنوات إحصاء شائع يشير إلى أن الرجال يصابون بأمراض القلب قبل النساء بنحو 10 سنوات، لكن كثيرًا من الأبحاث الأولى ركزت تحديدًا على مرض الشريان التاجي كنوع فرعي من أمراض القلب والأوعية الدموية».
الفريق البحثي وسّع العدسة. لم يكتفِ بمرض الشريان التاجي، بل فحص أمراض القلب والأوعية الدموية المبكرة، المعرّفة بأنها تلك التي تحدث قبل سن 65، ودرس السكتة الدماغية وفشل القلب إلى جانب الصورة الكلية.
النتيجة كانت لافتة، حيث يرتكز الفارق الكبير في مرض الشريان التاجي. فبحلول سن 48 تقريبًا، كان نحو 2% من الرجال قد أصيبوا به، بينما لم تصل النساء إلى النسبة نفسها إلا قرب سن 58، ما يعيد إنتاج فجوة السنوات العشر. في المقابل، لم يظهر فرق يُذكر بين الجنسين في خطر السكتة الدماغية، إذ وصل الرجال والنساء إلى معدلات متقاربة في أعمار شبه متزامنة. أما فشل القلب، فأظهر تشابهًا في المراحل المبكرة، مع زيادة طفيفة لدى الرجال بحلول سن 65.
رحلة بدأت مبكرًا
قوة هذه النتائج تعود إلى نقطة الانطلاق، حيث إن الدراسة استندت إلى بيانات 5,112 رجلًا وامرأة من السود والبيض في أربع ولايات أميركية، التحقوا بين عامي 1985 و1986 بدراسة «Coronary Artery Risk Development in Young Adults»، عندما كانت أعمارهم بين 18 و30 عامًا. جميع المشاركين كانوا أصحاء وخالين من أمراض القلب عند البداية، وتابعهم الباحثون لمدة وسيطة بلغت 34.1 عامًا، عبر فحوصات سريرية واستبيانات منتظمة. خلال هذه الفترة، سُجّلت أحداث قلبية وعائية لدى 227 رجلًا و160 امرأة.
تشرح فريدمان أهمية ذلك بقولها إن المشاركين دخلوا الدراسة «قبل وقت طويل من ظهور معظم عوامل الخطر القلبية الوعائية»، ما أتاح تحديد لحظة ظهور المرض بدقة، وهو ما تفتقده دراسات تبدأ في مراحل عمرية لاحقة.
عوامل لا تُقاس بسهولة
اللافت أن الفروق لم تُفسَّر بعوامل الخطر التقليدية مثل ضغط الدم أو الكوليسترول أو التدخين. وهنا تبرز أسئلة مفتوحة.
وتشير الدكتورة إيريس جاف، المديرة التنفيذية لمعهد أبحاث أمراض القلب الجزيئية في مركز تافتس الطبي، التي لم تشارك في الدراسة، إلى أن هناك «محددات اجتماعية يصعب إدخالها في الحساب». وتقول، إن «النساء يقمن بأنواع مختلفة من العمل، ويتعرضن لأنواع مختلفة من الضغوط، وهذه أمور لم تُؤخذ في الاعتبار».
وترى جاف أن الفروق البيولوجية بين الرجال والنساء لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، مضيفة: «نحن فقط نبدأ في خدش السطح لفهمها».
تحذير لا يستثني النساء
ورغم أن الخطر يبدأ أبكر لدى الرجال، يحذر الخبراء من قراءة النتائج بوصفها طمأنة للنساء. تقول جاف: «أخشى أن تجعل دراسة كهذه النساء يعتقدن أنهن لسن مضطرات للقلق بشأن صحة القلب». وتؤكد أن أمراض القلب تظل سببًا رئيسيًا للوفاة لدى النساء أيضًا.
تدعم الدكتورة صاديا خان، أستاذة وبائيات القلب والأوعية الدموية في جامعة نورث وسترن والمشاركة في تأليف الدراسة، هذا التحذير، موضحة أن خطر النساء قد يتسارع بعد انقطاع الطمث. وتقول: «الفرضية هي أن الإستروجين قد يكون عاملًا وقائيًا، لذلك قد يتأخر خطر الإصابة لدى النساء بنحو 10 سنوات، لكن بعد انقطاع الطمث، يلحق الخطر بسرعة». وتشير إلى أن متوسط سن انقطاع الطمث في الولايات المتحدة هو 52 عامًا.
الوقاية تبدأ أبكر
تأتي هذه النتائج في وقت تتجه فيه الإرشادات القلبية إلى التقييم المبكر. فقد باتت معادلات تقدير الخطر المحدثة من جمعية القلب الأميركية تتيح التقييم بدءًا من سن 30 بدلًا من 40. وترى فريدمان أن ذلك يتسق مع ما كشفته الدراسة.
كما تفتح النتائج بابًا للنقاش حول الوصول إلى الرعاية الصحية. فالنساء الشابات يزرن الأطباء وقائيًا بمعدلات أعلى، غالبًا بسبب الرعاية الإنجابية، ما قد يتيح اكتشاف المخاطر مبكرًا. في المقابل، تقول فريدمان: «الرجال الشباب أقل بكثير في زيارة الطبيب للرعاية الروتينية في منتصف الثلاثينات والأربعينات، وزيادة الزيارات الوقائية، خصوصًا للرجال، قد تكون وسيلة لتعزيز صحة القلب وتقليل الخطر».
تنصح جاف بزيارة الطبيب مرة واحدة سنويًا على الأقل، وفحص ضغط الدم والكوليسترول، مع الالتزام بما تُعرف بـLife’s Essential 8 لجمعية القلب الأميركية، التي تشمل تجنب التبغ، وإدارة الوزن، وضبط ضغط الدم وسكر الدم والكوليسترول، إلى جانب تحسين التغذية، وزيادة النشاط البدني، والحصول على نوم صحي.
وتختصر خان جوهر الرسالة بقولها: «اعرف أين تقف عوامل الخطر لديك… عندما تعرف مستوى الخطر، يمكنك أن تتصرف».














