لم يعد البروتين البطل الأوحد على موائد الطعام، ففي تحول جذري يعيد ترتيب أولويات التغذية العالمية، بدأت الألياف في إزاحته لتصبح «العنصر الغذائي الأبرز» لهذا العام.
هذا التغيير لم يأتِ من فراغ، بل انطلق مدفوعًا بهوس المستهلكين، وتحديدًا «الجيل Z»، بصحة المعدة والجهاز الهضمي، مما أشعل فتيل ظاهرة جديدة اجتاحت منصة «تيك توك» تحت اسم «نحت الألياف» أو (Fibermaxxing).
وبينما يسعى الناس لزيادة حصتهم من الألياف، التقطت شركات الأغذية الكبرى الإشارة سريعًا، محولةً رفوف المتاجر إلى ساحة تنافس لمنتجات جديدة تعزز هذا التوجه.
من الترطيب إلى الألياف
تبدو دوافع هذا التحول أعمق من مجرد «موضة» عابرة، إذ يدرك الجيل الأصغر سنًا الآن وجود رابط وثيق بين صحة الجهاز الهضمي وتحسن البشرة والوظائف الإدراكية.
وتصف «شيري فراي»، قائدة الفكر في مجال الصحة والعافية في شركة «NIQ»، هذا المشهد بأنه «عاصفة مثالية» نتجت عن تقارب عدة اتجاهات استهلاكية، بدأت بالتركيز على الترطيب (مع صعود منتجات مثل Liquid I.V. وElectrolit)، ثم انتقلت إلى البروتين، ووصلت الآن إلى «الخطوة الطبيعية التالية» وهي الألياف.
وتتعزز هذه الرغبة الاستهلاكية بمعطيات علمية حديثة، حيث ثبت أن الألياف تحفز إنتاج هرمون «GLP-1» الطبيعي في الجسم، وهو الهرمون المسؤول عن كبح الشهية والموجود في أدوية إنقاص الوزن الشهيرة مثل «Wegovy» التي تغرق الأسواق حاليًا. وتدعم الأرقام هذا التوجه، إذ وجدت شركة أبحاث الأغذية والمشروبات «Dataessential» أن 52% من المستهلكين مهتمون بتجربة «نحت الألياف» بعد معرفتهم بالترند، وأن 42% يعتقدون أن الأطعمة التي تحمل ملصق «عالية الألياف» هي أكثر صحية.
استجابة «الغذاء الكبير».. الألياف هي البروتين القادم
في المقابل، لم تقف شركات الأغذية الكبرى مكتوفة الأيدي أمام هذه الأرقام، بل بدأت تتحرك بسرعة لاغتنام الفرصة، خاصة مع وجود فجوة غذائية هائلة؛ حيث تشير بيانات الحكومة الأمريكية لعام 2020 إلى أن أكثر من 90% من النساء و97% من الرجال لا يحصلون على حصتهم اليومية الموصى بها من الألياف.
هذه الفجوة اعتبرها «رامون لاجوارتا»، الرئيس التنفيذي لشركة «بيبسي كو»، فرصة ذهبية، مصرحًا خلال مكالمة الأرباح في أكتوبر الماضي بأن «الألياف ستكون البروتين القادم».
وأكد للمحللين أن المستهلكين بدأوا يدركون فائدة الألياف التي تمثل نقصًا في الأنظمة الغذائية الأمريكية، مشيرًا إلى أن هذا التوجه «سيرتفع». وبالفعل، بدأت «بيبسي كو» بتعزيز محفظة مشروباتها الغازية بمنتجات غنية بالألياف، حيث أطلقت الصيف الماضي «بيبسي بريبيوتيك كولا» بعد استحواذها على علامة «Poppi»، وتعمل على طرح نسخ معززة بالألياف من «SunChips» وفشار «Smartfood» ومسحوق الترطيب «Propel».
ولا يقتصر الأمر على المشروبات، فقد تنبأ «كريس كيمبكزينسكي»، الرئيس التنفيذي لشركة «ماكدونالدز»، عبر حسابه على إنستجرام بأن الألياف «ستكون كبيرة» في عام 2026، في إشارة محتملة لدخول عملاق الوجبات السريعة على خط المنافسة. كما أشارت توقعات «Whole Foods» لعام 2026 إلى وجود «المزيد من الدعوات للألياف على العبوات».
ساحة الوجبات الخفيفة والأسعار
تتوقع «شيري فراي» أن تكون الوجبات الخفيفة، مثل الرقائق والمقرمشات المنفوخة، هي «ساحة المعركة» الرئيسية للألياف، لا سيما المنتجات المصنوعة من البقوليات والفاصولياء.
لكنها تحذر من أن «المذاق» يظل عاملًا حاسمًا، قائلة: «المستهلكون على استعداد لإجراء مقايضة، لكنهم ليسوا مستعدين دائمًا إذا لم يكن الطعم موجودًا». ورغم الظروف الاقتصادية، يبدي المستهلكون استعدادًا لدفع المزيد مقابل هذه المنتجات.
هنا يأتي دور العلامات التجارية الخاصة بالمتاجر الكبرى لتقديم بدائل بأسعار معقولة في قطاع العافية. فقد شهد سوبر ماركت «Thrive Market» ارتفاعًا بنسبة 30% في المصطلحات المتعلقة بالألياف خلال العام الماضي. كما أعادت «Aldi» إطلاق خط إنتاجها الداخلي ليشمل نسخًا مقلدة من المشروبات الغازية وألواح الوجبات «الأفضل لك»، بينما تعمل «Walmart» على توسيع تشكيلة «Bettergoods» التي تضم أطعمة تعتمد على المكونات النباتية.
مفارقة العلبة والخضراوات.. رأي الخبراء
وسط هذا الزخم التجاري، يطرح السؤال نفسه: هل هذا صحي حقًا؟ يرى «بول كريجلر»، أخصائي التغذية المسجل والمدير الأول للمنتجات الغذائية في «Life Time Fitness»، أن الاتجاه «صحي بشكل عام»، مشيرًا إلى أن الكمية الموصى بها هي 25 جرامًا يوميًا للنساء و35 جرامًا للرجال.
ومع ذلك، يبرز «كريجلر» المفارقة الجوهرية في هذا المشهد؛ فالمنتجات المعبأة مسبقًا التي تغزو الرفوف ليست حلًا سحريًا لهذا النقص. وتدعم الإرشادات الغذائية الحكومية الأمريكية الصادرة حديثًا هذا الرأي، حيث تحث الناس على إعطاء الأولوية لـ«الطعام الحقيقي»، بما في ذلك الحبوب الكاملة الغنية بالألياف، وتقليص تناول الأطعمة عالية المعالجة.
يختصر «كريجلر» هذه المفارقة الساخرة بقوله لشبكة CNN: «ما علمته للعملاء لفترة طويلة هو أن يأكلوا كومة من الخضراوات بحجم رأسك كل يوم». ويضيف موضحًا التناقض بين التسويق والواقع: «المفارقة هي أن معظم الأطعمة التي ستساعد في عملية (نحت الألياف) لا تحتوي حتى على ملصقات، وعليك أن تذهب للحصول عليها طازجة»، في إشارة إلى قسم الخضراوات والفواكه الذي يظل المصدر الأصدق للألياف بعيدًا عن صخب التغليف والتسويق.












