تشير دراسة حديثة أُجريت على الفئران إلى أن اختلاف استجابة خلايا الأمعاء للهرمونات قد يكون السبب وراء تعرض النساء لآلام أمعاء أكثر تكرارًا وشدة مقارنة بالرجال. هذا الاكتشاف قد يفسّر الفجوة الواضحة بين الجنسين فيما يخص متلازمة القولون العصبي.
متلازمة القولون العصبي تصيب نحو 10% إلى 15% من الأشخاص حول العالم، وتُشخّص النساء بهذه الحالة بمعدل يصل إلى ضعفي معدل الرجال. وتشمل أعراض هذه المتلازمة الألم المزمن في البطن، والإمساك، والإسهال، والغازات، والانتفاخ، وغالبًا ما تتفاقم استجابةً لمحفزات مثل التوتر النفسي أو بعض الأطعمة. ورغم أن هذه الاختلافات بين النساء والرجال كانت معروفة سريريًا منذ فترة طويلة، ظل السبب البيولوجي وراءها غير واضح.
دور الهرمونات في حساسية الأمعاء
كشفت الدراسة أن هرمون الاستروجين، وهو الهرمون الرئيسي لدى النساء، قد يطلق سلسلة من التفاعلات في الأمعاء تؤدي إلى زيادة حساسية الأعصاب للألم. وبهذه الطريقة، قد تُصبح النساء أكثر عرضة للشعور بأعراض متلازمة القولون العصبي بشكل أقوى وأكثر تواترًا من الرجال، ما يسلط الضوء على أهمية النظر إلى الفروق البيولوجية بين الجنسين عند تطوير استراتيجيات العلاج.
قال ديفيد جولياس، الباحث الرئيسي في الدراسة وأخصائي علم الأعصاب: "لطالما كنا نشك في أن الهرمونات الأنثوية تلعب دورًا في آلام الأمعاء، لكن الآلية الدقيقة لم تكن واضحة. تُظهر نتائجنا مسارًا واضحًا لكيفية قيام الإستروجين بتضخيم إشارات الألم".
نُشرت الدراسة في 18 ديسمبر في مجلة "ساينس"، وبدأ الباحثون بمقارنة استجابات الألم في الأمعاء لدى الفئران الذكور والإناث عن طريق تسجيل نشاط الأعصاب عند تحفيز الأمعاء ومراقبة ردود أفعالها عند انتفاخ القولون بشكل خفيف. وأظهرت الاختبارات أن الأمعاء لدى الإناث كانت أكثر حساسية منذ البداية.
وعند إزالة المبايض لإيقاف إنتاج الإستروجين، انخفضت الحساسية إلى مستويات شبيهة بالذكور، وعند إعادة مستويات الإستروجين إلى الطبيعي، عادت استجابة الألم المرتفعة كما كانت عند الفئران الإناث.
كيف تقود خلايا الأمعاء إشارات الألم؟
ولفهم مكان وطريقة تأثير الإستروجين، فحص الفريق أنواعًا مختلفة من خلايا الأمعاء. وبناءً على أبحاث سابقة، توقعوا وجود مستقبلات الإستروجين على خلايا الانتروكروماتين، التي تنتج حوالي 90% من السيروتونين في الجسم، وهو ناقل كيميائي يفعّل الأعصاب المسؤولة عن الألم ويرسل إشارات إلى الدماغ. لكن، وللمفاجأة، وجد الفريق أن مستقبلات الإستروجين لم تكن على خلايا الانتروكروماتين، بل على خلايا متخصصة ونادرة في بطانة الأمعاء.
عندما تكتشف هذه الخلايا، المعروفة باسم خلايا L، هرمون الإستروجين، فإنها تزيد من إنتاج مستقبل يُدعى OLFR78. هذا المستقبل يستشعر الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهي نواتج ثانوية تتكوّن عند هضم البكتيريا للطعام في الأمعاء. إضافة المزيد من المستقبلات تجعل خلايا L أكثر حساسية لهذه النواتج، مما يدفعها لإفراز المزيد من هرمون يساعد الدماغ على الشعور بالشبع مباشرة بعد الأكل.
ولفهم هذه السلسلة بشكل أفضل، قام الباحثون بزراعة نماذج صغيرة للأمعاء في المختبر. ووجدوا أن هرمون الشبع، المعروف باسم PYY، يرسل أيضًا إشارات إلى خلايا الانتروكروماتين القريبة، التي تقوم بدورها بإفراز المزيد من السيروتونين. ويقوم هذا السيروتونين بتنشيط الأعصاب المسؤولة عن الألم. هذه السلسلة التي يطلقها الإستروجين قد تفسر لماذا تعاني النساء من آلام أمعاء أشد من الرجال.
كما أكدت التجارب على فئران معدلة وراثيًا تفتقر إلى مستقبلات الإستروجين على خلايا L دور هذه الخلايا في حساسية الأمعاء، إذ أظهرت هذه الفئران استجابات عصبية أضعف وإفرازًا أقل للسيروتونين مقارنةً بالفئران التي تمتلك المستقبلات سليمة.
ماذا تعني هذه النتائج للمرضى؟
قالت ماريزا سكافوزو، أستاذة مساعدة في كلية الطب بجامعة كيس ويسترن ريزيرف، والتي لم تشارك في الدراسة: "نظرًا لتقلب مستويات الإستروجين خلال الدورة الشهرية، توفر هذه الآلية فهمًا للتغيرات في شدة متلازمة القولون العصبي لدى النساء".
وأضافت: «كما أنها تؤكد صحة تجارب المرضى ذوي مستويات الإستروجين العالية أو الحوامل بالدورة الشهرية، وهو أمر مهم لأن الاختلافات في الإحساس بالألم لدى النساء غالبًا ما تم تجاهلها أو الاستهانة بها تاريخيًا».
رغم أن النتائج أولية، فإنها قد تساعد في تطوير علاجات مستقبلية لآلام الأمعاء. وأشار جولياس: "يمكن أن يكون هرمون PYY ومستقبل OLFR78 أهدافًا واعدة لعلاج متلازمة القولون العصبي لدى النساء".
وأضاف أن هذا العمل قد يفسر أيضًا سبب فعالية حمية "الـ low-FODMAP"، التي تهدف إلى تقليل السكريات التي تتغذى عليها البكتيريا المعوية، في تخفيف أعراض القولون العصبي عند بعض المرضى.
وأوضحت سكافوزو أن هذه الدراسة تحدد أهدافًا جزيئية واضحة يمكن أن توجه علاجات أكثر دقة للقولون العصبي، موضحة: "من خلال التركيز على إشارات خلايا L وهرمون PYY، تحدد الدراسة أهدافًا ملموسة للعلاج".
كما أكدت الدراسة على أهمية مراعاة تأثير التغيرات الهرمونية على أعراض القولون العصبي، ليس فقط لدى النساء في سن الإنجاب، بل أيضًا لدى المرضى بعد انقطاع الطمث أو الذين يخضعون للعلاج الهرموني ضمن الرعاية المؤكدة للجندر.
وتتطلب ترجمة هذه النتائج من الفئران إلى البشر الحذر، فالأمعاء البشرية أكثر تعقيدًا، وتؤثر عوامل مثل نمط الحياة والجينات وتنوع ميكروبات الأمعاء على تفاعلات الهرمونات مع الأمعاء لدى الأفراد.
وقال جولياس: "نماذج الفئران تعطينا نقطة انطلاق، لكن الدراسات السريرية ضرورية قبل أن نتمكن من استخلاص استنتاجات مؤكدة حول آلام الأمعاء لدى البشر".












