بدأ العلماء في استكشاف الواقع الافتراضي كأداة فعّالة لتخفيف الألم المزمن، مستفيدين من قدرة الدماغ على معالجة الانتباه والإدراك والتوقع، وليس فقط من إشارات الأنسجة المصابة. وتعكس هذه الفكرة تحولًا كبيرًا في فهم الألم، الذي لم يعد يُنظر إليه كإشارة جسدية بحتة، بل كتجربة معقدة تتأثر بالعقل والوعي.
وبحسب التقديرات، يؤثر الألم المزمن على نحو 50 مليون أمريكي ويعد أحد الأسباب الرئيسية للإعاقة طويلة المدى وطلب الرعاية الطبية المستمرة. وعلى مدى عقود، كانت خيارات العلاج محدودة أو مكلفة للغاية، خاصة في أعقاب أزمة المواد الأفيونية. لكن الآن، ومع ظهور أدوات رقمية متقدمة تشمل تطبيقات الهواتف الذكية، الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، بدأت هذه الحالات تجد طرقًا جديدة للتخفيف من الألم وتحسين نوعية الحياة.
كيف يخفف الواقع الافتراضي الألم؟
أظهرت الأبحاث العصبية أن الانتباه والإدراك والتوقع هي عوامل تلعب دورًا حاسمًا في تجربة الألم. وعليه، يمكن للتدخلات التي تغيّر تركيز الدماغ أن تخفف من الإحساس بالألم. وهذا هو المبدأ الذي اعتمده العلماء لتطوير تطبيقات الواقع الافتراضي.
ويعد هانتر هوفمان، عالم النفس بجامعة واشنطن، من أوائل الذين استكشفوا هذه الإمكانية. إذ طوّر برنامجًا تفاعليًا للأطفال المصابين بحروق شديدة باسم "عالم الثلج"، حيث يلعب الأطفال برمي كرات الثلج على طيور البطريق في بيئة افتراضية مليئة بالموسيقى. وأظهرت التجارب أن هذا البرنامج يقلل من الألم والقلق أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، وقد عُرض لاحقًا في متحف كوبر هيويت للتصميم التابع لمؤسسة سميثسونيان في نيويورك.
بدورها، تقول زينا تروس، الباحثة في جامعة تكساس والمتخصصة في استخدام الواقع الافتراضي لعلاج الألم: "العين تلعب دورًا أساسيًا في إحساس الإنسان بالألم. فعندما يشغل الواقع الافتراضي انتباه المريض، يقل شعوره بالألم بشكل ملحوظ". وهذا النوع من التشتيت التفاعلي فعال بشكل خاص في حالات الألم الإجرائي قصير المدى، مثل سحب الدم، علاجات الأسنان، وعملية تنظير القولون، أحيانًا كبديل جزئي للتخدير الكيميائي.
الواقع الافتراضي للألم المزمن
في بعض حالات معالجة الألم المزمن، مثل متلازمة الألم الإقليمي المعقد (CRPS)، تتطلب نهجًا أكثر تعقيدًا من مجرد التشتيت. ففي دراسة تجريبية أجراها هوفمان، شارك 7 مرضى، منهم ليونا بيل، لتجربة تقنية الواقع المختلط التي تجمع بين التفاعل الافتراضي والحركة الواقعية.
وتمكنت بيل، التي أصيبت قبل سنوات بصدمة كهربائية تسببت لها بمتلازمة CRPS في يدها اليمنى، عبر الواقع الافتراضي من ممارسة تمارين العلاج الطبيعي مثل الإمساك والتحريك، في بيئة افتراضية تقلل الألم. وتصف تجربتها قائلة: "عندما غمست يدي الافتراضية في وعاء ماء دافئ في العالم الافتراضي، شعرت فعليًا وكأن يدي الحقيقية تتفاعل. استطعت القيام بحركات لم أستطع تنفيذها في الواقع".
وخلال الدراسة، لاحظ المشاركون انخفاضًا في الألم والحساسية للبرد، وتحسنًا في الحركة، إضافة إلى انخفاض القلق والاكتئاب. واستمر هذا التحسن حتى بعد متابعة استمرت عامًا كاملًا. وتشير تروس إلى أن هذا التأثير يرتبط بإعادة "التحكم الإرادي" للجسم، وهو شعور غالبًا ما يُفقد بسبب الألم المزمن والضعف البدني.
تطبيقات مستقبلية وتقنيات مبتكرة
يعمل الباحثون حاليًا على استخدام الواقع الافتراضي مع مرضى إصابات الحبل الشوكي، حيث يمكن للمشاركين تجربة المشي والتحرك باستخدام أطرافهم الافتراضية، عن طريق حركة الرأس وتأرجح الذراعين. وتقول تروس، التي تعاني هي نفسها من ألم مزمن وتشوه عظمي: "الشعور بالقدرة على التحكم مجددًا في الحركة يخفف من حدة الألم النفسي والجسدي. فمجرد رؤية صورة رمزية لنفسك يمكن أن تفتح إمكانيات جديدة للتعامل مع الألم".
بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم الواقع الافتراضي لتعزيز التأمل الذهني وتقنيات الاسترخاء، ما يعزز التأثير الإيجابي على الألم المزمن. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن هذه التقنيات قد تكون أكثر فعالية لدى بعض المرضى مقارنة بالمسكنات التقليدية، خاصة في الحالات التي يكون الألم فيها مرتبطًا بالضغط النفسي أو الشعور بالضعف وفقدان السيطرة.
وعلى الرغم من النتائج الواعدة، يشير الباحثون إلى أن معظم الدراسات حتى الآن صغيرة نسبيًا، وتحتاج إلى تجارب أكبر لتأكيد الفعالية على نطاق واسع. ومع ذلك، فإن استخدام الواقع الافتراضي يمثل خطوة مهمة نحو معالجة الألم المزمن بأساليب غير دوائية، تساعد المرضى على استعادة قدراتهم الجسدية والنفسية وتحسين نوعية حياتهم.
أدوات جديدة لتخفيف الألم المزمن
لا يقتصر الأمر على الواقع الافتراضي. في جامعة هارفارد، أجرى جيان كانغ دراسة على مرضى يعانون من آلام أسفل الظهر المزمنة، وطلب منهم مشاهدة فيديوهات قصيرة تحاكي الوخز بالإبر أو لمس أسفل الظهر برفق. وأظهرت النتائج أن كلا النوعين قلل من الألم، مع تأثير أكبر لفيديو الوخز بالإبر، ما يعكس قدرة التصور الحسي على تفعيل الشبكات العصبية المرتبطة بالشعور الجسدي.
وتسهّل هذه التقنيات، منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام، الوصول إلى طرق جديدة لتخفيف الألم، رغم محدودية انتشارها وقيود التغطية التأمينية. وتقول نيكول هيمينواي من مؤسسة الألم الأمريكية: "الألم تجربة فردية جدًا، وفعالية الأدوات الرقمية تختلف من شخص لآخر". وإلى جانب التقنية، يظل العلاج النفسي جزءًا مهمًا من إدارة الألم المزمن. وتساعد برامج مثل "التسكين المعزز" أو أساليب العلاج السلوكي المعرفي وعلاج إعادة معالجة الألم، المرضى على التعامل مع الألم وفهم كيفية تأثير الإشارات الجسدية والعاطفية على بعضها.
ورغم التحديات في الوصول إلى العلاج، توفر أدوات رقمية وتطبيقات ذكاء اصطناعي إمكانية متابعة العلاج الذاتي، لكنها لا تُغني عن الرعاية الطبية المباشرة. وبالنسبة للمرضى، تكمن الفائدة الكبرى في استعادة شعور السيطرة على أجسادهم وحياتهم، وهو ما تجسده تجارب مثل تجربة ليونا بيل، التي وجدت في الواقع الافتراضي وسيلة لتحسين قدرتها على الحركة والشعور بالأمل.
اقرأ أيضًا:
إنفوجرافيك| ﻧﻤﻮ سجلات تقنيات الواقع الافتراضي المعزز بنسبة 39 %
2025.. نقطة تحول في التقنية عالميًا ومحليًا
دبلوم تطوير الألعاب والعوالم الافتراضية.. تدريب بناء عوالم الغد













