لعل أكثر التجارب إرهاقًا للنفس هو شعور الإنسان بأنه غير مهم. قد يبرز عدم الشعور بالأهمية عندما يقاطعك أحدهم في اجتماع، أو عندما لا يطلب رأيك، أو عدم التقدير عندما تبذل جهودًا كبيرة، أو عند التقاعد، حيث يتسلل ذلك السؤال المؤلم: هل يحتاجني أحد؟، ما يجعل هذه التجارب مؤثرة إلى هذا الحد، هو أنها تتجاوز مجرد خيبة الأمل أو الألم العابر، فمنذ ولادتنا، نكون مهيأون لغريزة أساسية: أن نكون مهمين للآخرين. لم تكن لتقرأ هذه الكلمات لو لم يكن هناك من يهتم لأمرك في مرحلة ما، حتى أبقاك على قيد الحياة. الشعور بالأهمية هو في جوهره غريزة بقاء.
مع مرور الزمن، تتحول هذه الغريزة إلى حاجة نفسية أساسية، أن نحظى بالاهتمام، وأن نعلم أننا نساهم في حياة الآخرين، وأن وجودنا يترك أثرًا. عندما تلبى هذه الحاجة، يختبر الإنسان ما يسميه علماء النفس الشعور بالأهمية، وهو مرتبط بزيادة الحافز والرفاهية وتقليل مخاطر الصحة النفسية. أما حين يشعر الإنسان بعدم الأهمية، فقد يميل إلى الانعزال، وفقدان الطاقة، ويصبح أكثر عرضة للتوتر، ويواجه تحديات الحياة بردود فعل حادة.
وأظهرت الدراسات أن نحو 30% من الناس يشعرون بأنهم غير مرئيين في بيئة العمل، وأكثر من نصفهم يعانون من التهميش أو العزلة، بينما يعاني شخص من كل ثلاثة من شعور بالوحدة أسبوعيًا. مع أن الشعور بالأهمية يتشكل بشكل كبير من الإشارات التي نتلقاها من الآخرين، إلا أن الإنسان ليس عاجزًا عن تعزيز هذا الشعور من خلال أساليب تفكير وتصرفات تذكره بقيمته. يمكن ذلك من خلال هذه الطرق.
تقدير تأثيرك
تشير الأبحاث إلى أننا غالبًا ما نقلل من شأن تأثير أبسط أفعالنا وكلماتنا على الآخرين. على سبيل المثال، أظهرت تجارب، أن الأشخاص الذين يرسلون رسائل شكر قصيرة، يقللون باستمرار من مدى الأثر العاطفي الذي تتركه هذه الرسائل على المتلقين. هذا التحيز نحو التقليل من شأن تأثيرنا يمنعنا أحيانًا من القيام بخطوات بسيطة يمكن أن تضيف قيمة حقيقية لحياة الآخرين.
الانفتاح على الآخرين، حتى بطرق بسيطة، يمكن أن يعيد إلينا شعورنا بالأهمية. مشاركة مجاملة صادقة، أو التحدث مع شخص جديد، أو القيام بعمل من أعمال التعاطف، كلها خطوات تعزز الاتصال بالآخرين وتخفف الشعور بالانعزال، كما تقوي تقدير الذات.
كل فعل له أثر
في دراسة حول كيفية إيجاد عمال النظافة في الجامعات معنى لعملهم، سألت إحدى عاملات النظافة: ما الجزء الأكثر أهمية في وظيفتك؟، بدون تردد، قالت إنها تنظف سكن الطلاب صباح كل اثنين، وقد بدا الأمر بسيطًا. لكنها أوضحت: في كل مرة أفعل ذلك، أقول لنفسي: أنظف هذا الحمام حتى لا يمرض هؤلاء الطلاب.
إذا شعرت بالإرهاق، أو الشك في قدراتك، أو بعدم الأهمية، فتذّر دائمًا ما هو هدفك وراء ما تفعله، ابدأ بتحديد مهامك اليومية، مهما بدت عادية، واسأل نفسك عن سبب كل مهمة. ثم صغ عبارة توضح أثر هذه المهمة. قد يبدو هذا التفكير مصطنعًا في البداية، لكنه مع الممارسة يصبح أداة قوية لتذكيرك بأهمية أفعالك. ومع الوقت، ستلاحظ كيف يؤثر كل ما تقوم به بشكل مباشر على حياة الآخرين، ويعيد إليك شعورك بالقيمة والأثر.
ركز على ما تقدمه
في ثقافة مهووسة بالإنجاز، نربط أحيانًا شعورنا بالأهمية بما ننجزه أو نمتلكه، متجاهلين القيمة الحقيقية لما نقدمه للآخرين. لتصحيح هذا، حدد مواهبك وقم بتنميتها بوعي، بدءًا بنقاط القوة حيث يلتقي ما تحبه بما تجيده، واسأل نفسك: ما الذي يلجأ إلي الناس لأجله؟ ثم فكر في غايتك، أي كيفية استخدام نقاط قوتك لإحداث فرق، ومن يستفيد مما تفعله وكيف تريد أن يشعر الآخرون بعد التفاعل معك.
العلاقات الداعمة
من المهم أن تحيط نفسك بأشخاص يؤكدون على أهميتك ويعززون شعورك بالقيمة. هذه العلاقات الداعمة هي تلك التي يظهر فيها الطرف الآخر اهتمامًا حقيقيًا، ويوفر بيئة آمنة لمشاركة تجاربك، ويقدر مواهبك الفريدة ويستثمر فيها، ويسعى لفهم وجهة نظرك باستمرار.
ركز على تعزيز علاقتك بالأشخاص الذين يظهرون باستمرار الاهتمام والاحترام والثقة. ليس مطلوبًا قطع العلاقات الأخرى، لكن يمكنك اختيار ما تعمقه، وما تحافظ عليه، وما تقلل استثمارك فيه.














