يُعدّ الأطفال اليوم الفئة الأكثر عرضة للمخاطر في الفضاء السيبراني، في ظل اتساع نطاق وصولهم إلى الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وما يصاحبه من تصاعد في التهديدات الرقمية وتداعياتها الخطيرة. فقد كشف تقرير صادر عن المنتدى الدولي للأمن السيبراني بعنوان «لماذا يشعر الأطفال بعدم الأمان في الفضاء السيبراني» أن 72% من الأطفال دون سن 12 عامًا المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي تعرّضوا لأحد أشكال التهديد السيبراني، بينما أقرّ 48% منهم بشعورهم بعدم الأمان أثناء وجودهم على الإنترنت.

وفي مواجهة هذه التحديات المتنامية، تولي المملكة العربية السعودية أهمية كبيرة لحماية الأطفال في العالم الرقمي، عبر إطلاق مبادرات محلية وعالمية، وسنّ تشريعات صارمة تهدف إلى ترسيخ بيئة رقمية أكثر أمانًا، توازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الأجيال الناشئة من مخاطرها.

نستعرض في السطور التالية أبرز الجهود السعودية لحماية الأطفال من التعرض للأذى في الفضاء الرقمي:

مبادرة حماية الطفل في الفضاء السيبراني

في إطار الجهود الرامية إلى مواجهة التحديات العالمية وبناء فضاء سيبراني أكثر أمنًا واستقرارًا للأطفال، أطلق الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، المبادرة العالمية «حماية الطفل في الفضاء السيبراني» والتي تندرج ضمن رؤية المملكة 2030.

وترتكز المبادرة على خمسة أهداف إستراتيجية رئيسية، تشمل تعزيز التعاون الدولي، ورفع الوعي بأهمية حماية الأطفال في العالم الرقمي، وتطوير مهارات السلامة السيبرانية، وتعزيز الاستجابة العالمية للمخاطر، إلى جانب دعم تبادل المعرفة والخبرات. وتسهم هذه الأهداف، مدعومةً بمجموعة من المشروعات والمبادرات التنفيذية، في ترسيخ بيئة رقمية أكثر أمانًا للأطفال حول العالم.

وتستهدف مبادرة «حماية الطفل في الفضاء السيبراني» تحقيق أثر واسع على الصعيد الدولي، عبر الوصول إلى أكثر من 150 مليون طفل حول العالم، والعمل على تطوير مهارات السلامة السيبرانية لأكثر من 16 مليون مستفيد. كما تسعى المبادرة إلى دعم تطبيق أطر عمل فعّالة للاستجابة للتهديدات السيبرانية التي يتعرض لها الأطفال، في ما يزيد على 50 دولة حول العالم، في خطوة تعكس طموحًا عالميًا لبناء بيئة رقمية أكثر أمانًا للأجيال القادمة.

كما أعلنت مؤسسة المنتدى الدولي للأمن السيبراني عن إطلاق «مؤشر حماية الطفل في الفضاء السيبراني»، بالتعاون مع المعهد الدولي DQ وعدد من المنظمات الدولية ذات الصلة، وذلك في إطار المستهدفات الإستراتيجية للمبادرة العالمية «حماية الطفل في الفضاء السيبراني». ويهدف المؤشر إلى أن يكون أداة عالمية لقياس التقدم المحرز في بناء فضاء سيبراني أكثر أمانًا للأطفال، إلى جانب تزويد صُنّاع القرار برؤى عملية تسهم في تعزيز سياسات وبرامج حماية الطفل في العالم الرقمي.

ويعتمد المؤشر على منهجية قياس شمولية تغطي مختلف الأبعاد ذات الصلة بحماية الطفل، بما في ذلك دور المدارس والأسر، والبنية التحتية التقنية، ومسؤولية شركات القطاع الخاص، فضلًا عن سياسات الدول وتشريعاتها.

وفي السياق ذاته، كشفت المؤسسة عن برنامج دولي أطلقته بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ضمن مبادرة «حماية الطفل في الفضاء السيبراني»، تضمن دعم خطوط المساعدة المخصصة للأطفال في أكثر من 30 دولة، إضافة إلى تطوير أطر عمل لتدريب أكثر من 5 ملايين من أولياء الأمور ومقدمي الرعاية على مبادئ وأسُس السلامة السيبرانية، بما يعزز حماية الأطفال من المخاطر الرقمية المتنامية.

وعلى صعيد البرنامج الذي أطلقته مؤسسة المنتدى الدولي للأمن السيبراني بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" في ضوء مبادرة حماية الطفل في الفضاء السيبراني، كشفت المؤسسة عن دعم خطوط المساعدة الخاصة بالأطفال في أكثر من 30 دولة، بالإضافة إلى تطوير أطر عمل لتدريب أكثر من 5 ملايين من أولياء الأمور ومقدمي الرعاية على أسس السلامة السيبرانية للأطفال.

التشريعات والأنظمة (نظام مكافحة جرائم المعلوماتية)

تُعدّ التشريعات السعودية في مجال مكافحة الجرائم المعلوماتية من أكثر الأطر القانونية تشددًا في حماية المجتمع، ولا سيما الأطفال والقُصّر، من المخاطر والانتهاكات الرقمية. ويحدّد نظام مكافحة جرائم المعلوماتية عقوبات رادعة لكل من يستغل الفضاء الإلكتروني في أنشطة تمس القيم أو تهدد السلامة العامة.

وتنص المادة السادسة من النظام على معاقبة كل من يقوم بإنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام ، او القيم الدينية، أو الآداب العامة ، أو حرمة الحياة الخاصة، أو إعداده ، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية ، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي بالسجن مدة تصل إلى خمس سنوات، أو بغرامة تصل إلى ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

كما تشمل العقوبات؛ إنشاء موقع على الشبكة المعلوماتية ، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي أو نشره ، للاتجار في الجنس البشري، أو تسهيل التعامل به، أو إنشاء المواد والبيانات المتعلقة بالشبكات الإباحية، أو أنشطة الميسر المخلة بالآداب العامة أو نشرها أو ترويجها، بالإضافة إلى إنشاء موقع على الشبكة المعلوماتية ، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي أو نشره ، للاتجار بالمخدرات، أو المؤثرات العقلية، أو ترويجها، أو طرق تعاطيها، أو تسهيل التعامل بها.

وفي إطار حماية القُصّر من الاستغلال، شدّد النظام العقوبات في الحالات التي تنطوي على التغرير بالأطفال أو استغلالهم. إذ تنص المادة الثامنة على ألا تقل عقوبة السجن أو الغرامة عن نصف الحد الأعلى المقرر للجريمة، متى ما ارتبطت باستغلال القُصّر أو من في حكمهم.

آليات التبليغ والدعم المباشر

وفّرت الجهات الحكومية قنوات مخصّصة للتعامل مع البلاغات المتعلقة بالأطفال بسرية تامة، بهدف سرعة التدخل وحماية الأطفال من مختلف أشكال الإيذاء، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالعنف أو الإساءة عبر الفضاء الرقمي.

ويُعد خط مساندة الطفل (116111)، التابع لبرنامج الأمان الأسري الوطني، إحدى أبرز هذه القنوات، إذ يستقبل البلاغات المتعلقة بجميع أنواع الإيذاء، بما في ذلك التنمر الإلكتروني والابتزاز. ويتعامل الخط مع الحالات الطارئة بشكل فوري، من خلال آلية إحالة مباشرة إلى الجهات المختصة بالتدخل السريع، مع متابعة وصول الخدمة للأطفال في الوقت المناسب لضمان سلامتهم وحمايتهم من أي إساءة أو إهمال.

كما يوفّر مركز بلاغات العنف الأسري (1919) خدمة متاحة على مدار الساعة لتلقي البلاغات عبر الهاتف أو من خلال تطبيق وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. وتتيح هذه الخدمة الإبلاغ عن حالات العنف الأسري وسوء المعاملة، بما يمكّن المواطنين والمقيمين من الوصول إلى الدعم والمساندة عند تعرضهم، أو تعرض أي شخص آخر، للإيذاء. وتؤكد الوزارة أن أولوية التعامل مع هذه البلاغات تتركز على حماية الأفراد ومنع تكرار العنف، مع ضمان أعلى درجات الخصوصية والأمان للمبلّغين.

التوعية والتعليم

في إطار جهودها المستمرة لتعزيز الوعي بالأمن السيبراني، أطلقت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني بالتعاون مع وزارة التعليم حملة «نعود للمدرسة من باب آمن»، الهادفة إلى ترسيخ ثقافة رقمية واعية لدى الطلاب والطالبات وأولياء الأمور، وتشجيعهم على الالتزام بالسلوكيات الآمنة أثناء استخدام الإنترنت، بما يسهم في الحد من المخاطر السيبرانية المتزايدة خلال العام الدراسي.

وتركّز الحملة على تعزيز مفاهيم الوقاية الاستباقية، من خلال محتوى توعوي متنوع يسلّط الضوء على أبرز التهديدات الرقمية وسبل التعامل معها، مثل التصيد الإلكتروني، والروابط المشبوهة التي تروّج لعروض وهمية، وأهمية الاعتماد على التطبيقات والمنصات الموثوقة، إلى جانب التوعية بمخاطر الهندسة الاجتماعية، وأهمية التحديثات التلقائية، وإدارة كلمات المرور، وتفعيل الرقابة الأبوية، وممارسات التصفح الآمن.

وتُبث مواد الحملة عبر حسابات برنامج آمن للتوعية بالأمن السيبراني على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تستعرض مجموعة من الإرشادات والأدوات العملية التي تساعد الطلاب والطالبات على حماية أنفسهم من الروابط الخبيثة والرسائل الاحتيالية، وتعزز قدرتهم على الاستخدام الآمن للتقنيات الرقمية.

ويُعد برنامج «آمن» إحدى المبادرات الإستراتيجية التي تنفذها الهيئة الوطنية للأمن السيبراني على المستوى الوطني، في سبيل رفع مستوى الوعي بالأمن السيبراني لدى مختلف فئات المجتمع في المملكة العربية السعودية، ودعم بناء فضاء رقمي آمن وموثوق يُسهم في حماية الأفراد وتعزيز الأمن الوطني، ويمكّن مسارات التنمية والازدهار.

اقرأ أيضًا :

بعد أستراليا.. مطالبات بريطانية بحظر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال

منصات التواصل الاجتماعي.. وباء خفي يهدد نمو الأطفال

أستراليا تنفّذ حظرًا تاريخيًا للأطفال على وسائل التواصل الاجتماع