تعيش الأوساط الاقتصادية في بكين ارتباكًا متصاعدًا بين ضغوط الشركاء الدوليين وأنين قطاع التصدير المحلي، حيث بات ارتفاع قيمة اليوان سيفًا ذا حدين يهدد هوامش الربح المتواضعة للمصانع، ويضع صناع القرار أمام اختبار صعب للموازنة بين الاستقرار الاقتصادي والتوترات التجارية الدولية.
هوامش أرباح تتلاشى
يواجه المصدرون الصينيون في قطاعات تقليدية مثل المنسوجات والأثاث ضربة مباشرة جراء صعود اليوان أمام العملات الأجنبية؛ إذ جعلت الأسعار الجديدة بضائعهم مكلفة جداً للمشترين الدوليين، وقضت على أرباحهم التي بالكاد تبقيهم داخل المنافسة، ما يدفع بعضهم نحو حافة الإغلاق.
وفي هذا السياق، قال تشين ليفنغ، صاحب شركة "نينغبو تنغشنغ للملابس" في مقاطعة تشجيانغ، إن ارتفاع اليوان أضر بقدرة شركته على الحصول على طلبيات جديدة، ولم يترك لها سوى أرباح محدودة، محذرًا من أن استمرار الصعود قد يهدد بقاءها.
ولا تقتصر الضغوط على هذه القطاعات؛ إذ يواجه المنتجون منافسة محلية حادة وفائضًا في الطاقة الإنتاجية، يدفعانهم إلى البحث عن عملاء في الخارج. ويقول تشين شيوجون، رئيس مجلس إدارة شركة «فوجيان هوشينغ للبلاستيك» في فوتشو، إن فائض الإنتاج والمنافسة الشرسة يدفعان شركته للتوسع خارجيًا، حيث تواجه بدورها آثار ارتفاع اليوان، مضيفًا: «لا مفر من ذلك».
الغرب يضغط والداخل يتعثر
تتجلى المعضلة الكبرى للحكومة الصينية في الفجوة بين المطالب الخارجية والواقع الداخلي؛ فبينما يرى قادة الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي أن اليوان ما زال مقومًا بأقل من قيمته الحقيقية مما يمنح الصين ميزة غير عادلة، يخشى المسؤولون في بكين أن يؤدي صعود العملة إلى تسريح جماعي للعمال وخنق محرك النمو الوحيد المتبقي في ظل ضعف الطلب الاستهلاكي المحلي.
تحركات البنك المركزي الصيني
سجلت العملة الصينية ارتفاعًا بنحو 5% مقابل الدولار وحوالي 9% أمام اليورو خلال العام الجاري، مما دفع بنك الشعب الصيني للتدخل عبر رفع نسبة احتياطي النقد الأجنبي المفروضة على المؤسسات المالية لإبطاء وتيرة الصعود، ملوحًا بأدوات إضافية مثل تعديل نقاط التثبيت اليومية أو تخفيف قيود الاستثمار الخارجي لمنع القفزات الحادة.
الخوف من المصير الياباني
يرفض المسؤولون الصينيون الانخراط في دبلوماسية نقدية شبيهة بـ"اتفاقية بلازا" لعام 1985 التي قادتها واشنطن وخفضت الدولار على حساب الين الياباني. وتنظر بكين إلى تلك التجربة التاريخية بوصفها فخًا غربيًا تسبب في ركود اليابان لعقود، مما يجعل بكين حذرة بشدة من أي اتفاقات دولية تجبرها على تعويم أو رفع عملتها قسريًا.
الضرر يمتد إلى الصناعات الإستراتيجية
لا تتوقف الضغوط عند الصناعات كثيفة العمالة، بل تمتد إلى قطاعات استراتيجية تشمل السيارات الكهربائية والبطاريات ومعدات الطاقة الشمسية والرياح وأشباه الموصلات. وأظهرت دراسة لمؤسسة "ناتيكسيس" أن هوامش أرباح هذه القطاعات بلغت نحو 2% فقط، فيما أشار محللون إلى اعتمادها على خفض التكاليف أكثر من نمو الإيرادات.
وتعكس أرقام الشركات اتساع المشكلة؛ إذ أظهر تحليل لرويترز شمل 5209 شركات صينية مدرجة أن الوسيط لهوامش صافي الربح بلغ 4.9% خلال النصف الأول من العام، مقابل 8.9% لدى الشركات المنافسة عالميًا. وقدّر بنك "ستاندرد" أن كل ارتفاع بنسبة 1% في سعر الصرف الفعلي الحقيقي لليوان يخفض متوسط هوامش أرباح الصادرات بنحو 30 نقطة أساس.
خيارات صعبة أمام الشركات
ومع استمرار الضغوط، تجد الشركات نفسها أمام خيارات محدودة بين رفع الأسعار وخسارة بعض العملاء، أو امتصاص جزء من الخسائر وتقليص التكاليف. وفي هذا الصدد، قالت "هو يوانفانغ"، الشريكة في إدارة شركة "هانغتشو تشنيو للأثاث المعدني»، إن العملاء قد لا يقبلون زيادة تتجاوز 2%، ما يفرض التفاوض لتعويض الفارق، سواء بتحمل جزء من الخسائر أو التحول إلى مواد وتغليف أقل تكلفة.




