على شاطئ جدة، قبل أكثر من قرن، عملت آلة بالفحم على انتزاع مياه الشرب من البحر، فسخنت المياه وحولتها بخارا ثم كثفته، وعرفها السكان باسم «الكنداسة». من تلك الآلة بدأت رحلة جعلت السعودية صاحبة واحدة من أكبر منظومات تحلية المياه في العالم، عبر تحولات من التقطير الحراري إلى الأغشية، ثم دمج الطاقة الشمسية وتوطين التصنيع واستثمار أملاح البحر.
تأسيس صناعة التحلية
تعود البداية إلى عام 1907، عندما انتُشلت آلة تعمل بالفحم من حطام سفينة ونُصبت على شاطئ جدة لتقطير مياه البحر. وفي عام 1926 أمر الملك عبدالعزيز باستيراد آلتين لتقطير المياه لسكان جدة والحجاج والمعتمرين. ومع توسع الاحتياجات أُنشئت المديرية العامة لتحلية المياه المالحة عام 1965، ودخلت محطات الوجه وضباء وجدة الخدمة تباعا بين 1969 و1970. وفي عام 1974 تأسست المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة بمرسوم ملكي، وأطلقت المملكة عام 1979 شبكة لنقل المياه المحلاة إلى المدن الداخلية.
من التقطير الحراري إلى الأغشية
اعتمدت المحطات الأولى على التقطير الحراري، بتقنيتي التبخير الومضي متعدد المراحل والتقطير متعدد التأثيرات. ثم جاء التناضح العكسي الذي يدفع مياه البحر تحت ضغط مرتفع عبر أغشية شبه منفذة تحتجز معظم الأملاح دون غلي المياه. ودخل أول نظام صغير منه الخدمة عام 1983 بمحطة البرك بطاقة 1952 مترا مكعبا يوميا، ثم شُغلت محطة جدة الأولى للتناضح العكسي عام 1989 بطاقة نحو 49 ألف متر مكعب يوميا. وكانت التقنيات الحرارية تنتج نحو 84% من المياه المحلاة عالميا قبل الثمانينيات، قبل أن يتقدم التناضح العكسي مع انخفاض استهلاكه للطاقة.
مرحلة جديدة في كفاءة المحطات
مع توسع التناضح العكسي، اتجه التطوير إلى الاستفادة من ضغط المياه المركزة بعد مرورها عبر الأغشية؛ فأجهزة استعادة الطاقة تستثمره لدفع المياه الداخلة إلى المحطة، ما يقلل كهرباء المضخات. وفي عام 2013 دخلت محطة جدة الثانية للتناضح العكسي هذه المرحلة بطاقة 240 ألف متر مكعب يوميا. ثم جاء دمج الطاقة المتجددة بمحطة الخفجي عام 2018، التي تجمع التناضح العكسي بالطاقة الشمسية بطاقة 60 ألف متر مكعب يوميا قابلة للوصول إلى 90 ألفا. وفي عام 2020 خفضت خمس محطات في حقل وضباء والوجه وأملج وفرسان استهلاك الطاقة بنسبة 80% إلى أقل من 3 كيلووات ساعة للمتر المكعب، وفي عام 2022 استُبدلت محطة حرارية في الجبيل بنظام التناضح العكسي بطاقة 400 ألف متر مكعب يوميا.
الجبيل والشعيبة
اتجهت السعودية إلى محطات مستقلة كبيرة تجمع التناضح العكسي واستعادة الطاقة، مع دمج الطاقة الشمسية في بعضها. ففي يونيو 2023 دخلت الجبيل 3A التشغيل بطاقة 600 ألف متر مكعب يوميا مع محطة شمسية بقدرة 45.5 ميجاوات واستهلاك يقل عن 2.8 كيلووات ساعة للمتر المكعب. وبدأ التشغيل التجاري للشعيبة 3 عام 2025 بطاقة تصل إلى 600 ألف بعد تحويله من التبخير الومضي إلى التناضح العكسي. ووثقت الهيئة السعودية للمياه أثرا ماليا للتحول من التقنيات الحرارية تجاوز 4 مليارات ريال، وتوفير أكثر من 22 مليون برميل نفط سنويا، وإزاحة نحو 45 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
ومن أبرز محطات الجيل الحديث الشعيبة 5 بطاقة نحو 664 ألف متر مكعب يوميا واستهلاك كلي بلغ 2.3 كيلووات ساعة للمتر المكعب، وتوفر المياه لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة في الحج. وفي يونيو 2025 سجلت الهيئة رقمين قياسيين في غينيس: أكبر محطة تحلية مياه بحر بالتناضح العكسي ضمن المرحلة الثانية لمشروع إنتاج الخبر بطاقة تقارب 671 مترا مكعبا يوميا، وأقل استهلاك للطاقة في الشعيبة 5 بمعدل 1.7 كيلووات ساعة للمتر المكعب في مرحلة فصل الأملاح، و2.34 للاستهلاك الكلي.
من الاستيراد للتصنيع
امتد التطوير إلى تصنيع المكونات؛ ففي يوليو 2025 بدأت العمليات التجريبية لمصنع أغشية التناضح العكسي في الدمام بطاقة سنوية تبلغ 300 ألف غشاء، بشراكة سعودية يابانية مع شركة توراي، ثم أعلنت توراي في نوفمبر 2025 تشغيل منشأة تجمع تصنيع الأغشية وتجميعها في موقع واحد، في سابقة سعودية.
المحلول الملحي
ومن المسارات الصاعدة استثمار المحلول الملحي بدلا من التعامل معه ناتجا نهائيا، بتركيزه واستخلاص أملاح ومعادن مثل كلوريد الصوديوم والمغنيسيوم والبروم. وتناولت دراسة نُشرت عام 2026 مشروعا سعوديا لاستخلاص الأملاح بتقنية التناضح العكسي بمساعدة الضغط الأسموزي، في اتجاه أوسع نحو «التحلية الدائرية».
إلى أين تتجه محطات التحلية؟
تواصل السعودية تحسين كفاءة التحلية عبر تطوير الأغشية والمضخات واستعادة الطاقة ودمج الطاقة المتجددة. وحللت دراسة لدورية «جول» عام 2024 أداء 39 منشأة، وأظهرت أن تطوير مكونات النظام وطريقة تشغيله يمكن أن يحقق وفورات إضافية كبيرة. فيما ركزت مراجعة نشرتها دورية «نيتشر ريفيوز كلين تكنولوجي» عام 2026 على تطوير الأغشية وتقليل الفاقد واستعادة الموارد من المحاليل الملحية، بوصفها مسارات قد تحدد الجيل المقبل من تقنيات التحلية.




