لا تعني زيادة عدد السفن العابرة لباب المندب بالضرورة عودة التجارة إلى مستوياتها السابقة لأزمة البحر الأحمر. فقد يرتفع عدد الرحلات بينما تظل الحمولات أقل من مستويات ما قبل الأزمة، كما أن حجم ما تستطيع السفن حمله لا يكشف وحده كمية البضائع المنقولة أو قيمتها. وتكشف بيانات سبتمبر 2026 أن الملاحة تتعافى، لكن بوتيرة متفاوتة بين باب المندب وقناة السويس، وبحسب نوع السفن والبضائع التي تمر عبرهما.

ماذا تقول أرقام العبور؟

سجّل باب المندب 1,215 عبورًا خلال سبتمبر 2026، بحمولة إجمالية بلغت 95.6 مليون طن، مقابل 1,170 عبورًا و93.1 مليون طن في أغسطس، وفق تقرير "ليدز ليست إنتيليجنس الصادر في 15 أكتوبر 2026". وبحساب الفارق بين الشهرين، ارتفع عدد العبور بنحو 3.8%، وزادت الحمولة بنحو 2.7%.

لكن المقارنة السنوية تكشف صورة مختلفة؛ إذ ارتفعت حركة سبتمبر بنحو 16% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما ظلت أقل بنحو 47% من مستويات ما قبل أزمة الملاحة في البحر الأحمر. أي إن الحركة تتحسن، لكنها لم تستعد مستواها السابق بعد.

وتظهر قناة السويس تعافيًا أسرع نسبيًا. فقد سجلت 1,228 عبورًا بحمولة 106.3 مليون طن في سبتمبر، بزيادة 21% على أساس سنوي، مع بقائها أقل بنحو 39% من مستويات ما قبل الأزمة، بحسب التقرير نفسه. وتجاوزت حمولتها 100 مليون طن للشهر الثاني على التوالي، مسجلة أكثر أشهرها نشاطًا منذ ديسمبر 2023.

ويعكس اختلاف النسب أن التعافي ليس متساويًا عند بوابتي البحر الأحمر الشمالية والجنوبية. فزيادة الحركة في قناة السويس لا تعني بالضرورة أن جميع أنواع السفن عادت بالوتيرة نفسها إلى عبور باب المندب، ولا أن الممرين استعادا مستويات النشاط السابقة للأزمة.

مسارات الملاحة

تقود سفن الحاويات جانبًا مهمًا من التعافي. ووفق تقرير ليدز ليست، بلغت حركة الحاويات عبر قناة السويس 2.19 مليون حاوية في سبتمبر، بزيادة 40% عن أغسطس. لكن الرقم لا يزال بعيدًا عن 5.9 مليون حاوية في سبتمبر 2023، قبل الأزمة.

ويربط التقرير هذه الزيادة بعودة بعض شركات الملاحة من مسار الدوران حول رأس الرجاء الصالح إلى طريق البحر الأحمر وقناة السويس. فالطريق الأقصر يقلل زمن الرحلات والمسافة التي تقطعها السفن، كما أن عودة السفن تتيح تحرير جزء من الطاقة الملاحية التي استُخدمت في الرحلات الأطول، ما يسهم في الضغط على أسعار الشحن الفوري بين آسيا وأوروبا.

وتدعم بيانات هيئة قناة السويس هذا الاتجاه. فقد عبرت 166 سفينة حاويات متوسطة وكبيرة القناة بين يوليو وسبتمبر 2026، بحمولة صافية إجمالية بلغت 29 مليون طن، مقابل 16 سفينة و2.4 مليون طن في الفترة نفسها من 2025، وفق بيان "نشرته الأهرام أونلاين في 13 أكتوبر 2026".

في المقابل، فقدت سفن الشحن السائب زخمها بعد نمو ملحوظ بين أبريل ويوليو، مع تراجع الصادرات الأوكرانية والروسية المتجهة إلى الأسواق الشرقية عبر البحر الأحمر، وسط تدهور الوضع الأمني في البحر الأسود. وهكذا، لا تتكون عودة الملاحة من موجة واحدة؛ بل تتغير بحسب نوع السفن، ومسارات التجارة، والظروف الأمنية التي تؤثر في قرار الشركات استخدام الممر أو تجنبه.

لماذا لا يكفي عدّ السفن؟

يخلط الحديث عن حركة الملاحة أحيانًا بين ثلاثة مقاييس: عدد مرات العبور، وحمولة السفن، وقيمة البضائع المنقولة. لكن كل مقياس يجيب عن سؤال مختلف.فيما يوضح عدد العبور يوضح حجم الحركة من حيث الرحلات المسجلة، لكنه لا يبين وحده مقدار ما نُقل. فقد تعبر سفينة صغيرة تحمل آلاف الأطنان، وأخرى أكبر بكثير تستطيع حمل مئات الآلاف من الأطنان.

كذلك، لا تعني زيادة الحمولة بالنسبة نفسها زيادة قيمة التجارة؛ فقيمة شحنة النفط تختلف عن قيمة شحنة من السلع المصنعة، حتى لو تقاربت الأوزان. ولا يكفي انخفاض عدد السفن وحده للاستنتاج بأن التجارة تراجعت بالنسبة نفسها، لأن السفن الأكبر قد تنقل كميات أكثر في الرحلة الواحدة.

ماذا تكشف المقارنة على المدى الأطول؟

تساعد بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» في وضع التعافي الحالي ضمن مسار أطول. فبحسب "تقرير المنظمة الصادر في 24 سبتمبر 2025" ظلت الحمولة العابرة لقناة السويس في أوائل مايو 2025 أقل بنحو 70% من مستويات 2023، رغم عودة بعض الخطوط الملاحية.

ويكشف هذا الفارق أهمية تحديد الفترة المستخدمة في المقارنة. فقد تسجل الملاحة زيادة شهرية أو سنوية، بينما تظل بعيدة عن مستوياتها السابقة للأزمة. كما أن إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح تطيل الرحلات، وترفع المسافة التي تقطعها البضائع، وتزيد تكاليف النقل والضغوط على سلاسل الإمداد، وفق الأونكتاد.