لا تعني زيادة أجور الشحن أن أسعار السلع سترتفع بالنسبة نفسها؛ فبين اضطراب الملاحة البحرية ووصول المنتج إلى المستهلك، تمر التكلفة بعدة مراحل تشمل طول الرحلة، وأجور السفن والوقود، والتأمين، وتكاليف التمويل والتخزين. ويختلف تأثير هذه الأعباء بحسب نوع السلعة ومسار نقلها ومدة استمرار الاضطراب.
وبحسب دراسة نشرها "CEPR" في 26 أبريل 2024، يؤدي تغيير مسارات السفن لتجنب البحر الأحمر والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح إلى إطالة الرحلات بين آسيا وأوروبا بنحو 10 إلى 14 يومًا، مع ارتفاع تكاليف النقل على بعض المسارات.
لكن انتقال هذه الزيادة إلى أسعار المستهلكين لا يحدث تلقائيًا أو بالنسبة نفسها، إذ يتوقف على عوامل تشمل حجم المخزون والطلب وقدرة الشركات على تحمل التكاليف الإضافية.
تكلفة الشحن
عندما تتجنب السفن البحر الأحمر وتتجه حول رأس الرجاء الصالح، تستغرق الرحلات وقتًا أطول للوصول إلى وجهتها. ويعني ذلك أن السفن تظل مشغولة مدة إضافية، ما يؤثر في قدرتها على نقل البضائع عبر الرحلات المختلفة، وقد يرفع تكلفة الشحن على المسارات المتأثرة.
وتوضح دراسة "CEPR" أن تكاليف الشحن ارتفعت بصورة ملحوظة على بعض المسارات خلال اضطرابات البحر الأحمر، لكنها أشارت أيضًا إلى أن تأثير هذه الاضطرابات في التجارة والتضخم يعتمد على ظروف السوق، ومنها توافر الطاقة الاستيعابية للسفن ومستويات المخزون والطلب العالمي.
الوقود والتأمين
تؤدي الرحلات الأطول إلى زيادة احتياجات التشغيل، بينما يضيف التأمين ضد مخاطر الحرب تكلفة أخرى على السفن التي تمر بالمناطق المتأثرة بالتوترات الأمنية.
وبحسب تقرير نشرته "Reuters"في 23 يوليو 2026، تجاوزت الأقساط الإرشادية للتأمين ضد مخاطر الحرب للرحلات عبر جنوب البحر الأحمر 1% من قيمة السفينة، مقارنة بنحو 0.75% يوم الثلاثاء السابق و0.3% في الأسبوع السابق، عقب تصعيد أمني في المنطقة. وأضافت الوكالة أن هذه الزيادة قد تعني مئات الآلاف من الدولارات لرحلة مدتها سبعة أيام، مع اختلاف الأقساط بحسب مسار الرحلة ومخاطرها.
ولا تُحسب هذه النسبة على قيمة البضائع وحدها، بل على كلفة السفينة. وقد تنعكس الزيادة في تكاليف التأمين على أجور النقل التي يدفعها المستوردون، وفقًا للعقود وظروف السوق، لكنها لا تحدد وحدها مقدار الزيادة التي ستصل إلى المستهلك.
التمويل والتخزين
تأخر وصول الشحنات يعني بقاء البضائع في البحر مدة أطول قبل بيعها أو استخدامها في الإنتاج. وقد يدفع ذلك بعض المستوردين إلى تعديل مواعيد طلباتهم أو الاحتفاظ بمخزون إضافي لتقليل مخاطر نقص المنتجات، بما قد يضيف تكاليف للتمويل والتخزين.
ويشير تحليل "Rabobank" إلى أن مستويات المخزون المرتفعة ومرونة سلاسل الإمداد وضعف الطلب قد تحد من انتقال ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية إلى التضخم. وفي المقابل، قد يتزايد التأثير إذا استمرت اضطرابات الشحن وارتفعت التكاليف لفترة أطول.
وتوضح الدراسة أن أثر تكاليف النقل قد يستغرق عدة أشهر قبل أن يظهر في أسعار المستهلكين، ما يعني أن توقيت انتقال الزيادة يختلف عن توقيت ارتفاع أجور الشحن نفسها.
لماذا لا ترتفع أسعار السلع بالنسبة نفسها؟
تتوقف الزيادة المحتملة في سعر السلعة على نسبة تكلفة النقل إلى قيمتها، إلى جانب قدرة المستوردين والمنتجين وتجار التجزئة على امتصاص المصروفات الإضافية أو تمريرها إلى المشترين.
وتمثل تكاليف التوزيع عادة نحو 1% إلى 1.5% من تكلفة معظم السلع. ومع ذلك، فإن تضاعف تكلفة شحن بعض الحاويات أو ارتفاعها إلى ثلاثة أمثالها قد يؤثر بصورة ملموسة في تكاليف المستوردين والمنتجين. ويعتمد الأثر النهائي على قيمة السلعة وعدد الوحدات التي تحملها الحاوية، فضلًا عن البدائل المتاحة ومستويات المخزون والطلب.
وتوصلت دراسة "OECD" المنشورة في أغسطس 2025 إلى أن ارتفاع تكاليف شحن الحاويات ينتقل إلى أسعار الواردات المصنعة، ثم يؤثر في التضخم الأساسي، مع اختلاف حجم الأثر بحسب نوع الواردات وظروف سوق الشحن.
لذلك، لا تكفي معرفة مقدار ارتفاع أجور الشحن لتحديد مقدار الزيادة في سعر المنتج بمنافذ البيع. فجزء من التكلفة قد تتحمله الشركات، وقد ينتقل جزء آخر إلى المستهلك بعد فترة، بينما يتوقف حجم التأثير على نوع السلعة ومسار نقلها ومدة الاضطراب وظروف السوق.




