تتجه أسعار تذاكر الطيران للتحليق إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، إذ تشير توقعات قطاع الطيران إلى استمرار موجة الغلاء؛ فالأسعار المرتفعة التي شهدها صيف هذا العام لن تتراجع خلال فترة الأعياد المقابلة، بل أصبحت مرشحة لمزيد من التصاعد طوال العام المقبل مُبددةً آمال المسافرين في انفراجة قريبة بعد صيف التهبت فيه تكاليف السفر.

ورغم انتهاء الموسم الصيفي، يرسم خبراء القطاع صورة أكثر ضبابية لمواسم الأعياد المقبلة والعام الجديد، مؤكدين أن موجة الغلاء الحالية ليست عابرة، بل مرشحة للاستمرار والاتساع، وفي هذا الصدد، كشفت كبرى شركات الطيران الأمريكية عن ارتفاع حاد في أسعار التذاكر خلال الربع الثالث الممتد من يوليو إلى سبتمبر، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود واستمرار الطلب القوي من المسافرين.

وأظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلك القفزة الكبيرة التي شهدتها أسعار التذاكر الصيفية بنسبة بلغت نحو 25% مقارنة بعام 2025. فيما يتوقع شركات الطيران استمرار هذه الأزمة في التصاعد في العام المقبل.

وفي هذا السياق، صرّح سكوت كيربي، المدير التنفيذي لشركة "يونايتد إيرلاينز"، قائلاً: "أعتقد بالتأكيد أن الأسعار ستبقى على حالها"، مشيرًا إلى أن هناك احتمالًا كبيرًا لارتفاعها بدرجة أكبر من المتوقع في العام المقبل.

حجز مبكر وارتفاع في تكاليف الأعياد

أوضح تحليل أجراه موقع "هوبر" المتخصص في بيانات السفر أن الركاب بدأوا في حجز رحلات الأعياد والمواسم القادمة في وقت مبكر مقارنة بالسنوات الماضية، خوفًا من قفزات جديدة. لكن هذا الإقبال المبكر ساهم بدور عكسي في دفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

وأشارت هايلي بيرغ، كبيرة الاقتصاديين في "هوبر"، في تصريحات لشبكة "CNN" الأمريكية، إلى أن متوسط سعر التذكرة لعيد الشكر بلغ 389 دولارًا، بارتفاع قدره 39% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. أما تذاكر فترة عيد الميلاد التي عادة ما تكون أغلى بـ 50 دولارًا عن عيد الشكر، فقد وصل متوسطها إلى 452 دولارًا، مسجلة زيادة بنسبة 22% عن العام الماضي.

أزمة الوقود وتقليص الرحلات الاقتصادية

تُعزي شركات الطيران هذه الزيادات إلى الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، الذي يمثل أحد أكبر مصاريف التشغيل للشركات. فقد قفزت تكاليف وقود الطائرات في الربع الثالث بأكثر من 60% مقارنة بالعام الماضي نتيجة التوترات الإقليمية والنزاع القائم في إيران. ومع غياب أي أفق لحل القريب، توقع كيربي أن تظل أسعار الوقود مرتفعة طوال عام 2027.

وأنفقت أكبر أربع شركات طيران أمريكية وهم: "يونايتد، ودلتا، وأمريكان، وساوث ويست " ما يعادل 6.3 مليار دولار إضافية على الوقود في الربع الثالث مقارنة بعام 2025، أي ما يعادل 69 مليون دولار إضافية يوميًا. ورغم أن رفع أسعار التذاكر ورسوم الأمتعة لم يغطِ بالكامل هذه الزيادة حتى الآن، إلا أن الشركات تتوقع تحسين هوامشها الربحية قريبًا.

ولم تكتفِ الشركات بزيادة الأسعار، بل لجأت إلى تقليص عدد الرحلات ذات التكلفة المنخفضة، مثل رحلات منتصف الأسبوع، ورحلات يوم السبت، والرحلات المبكرة جدًا أو المتأخرة ليلًا؛ وهي الرحلات التي طالما اعتمد عليها الباحثون عن الصفقات الاقتصادية، لكنها باتت تشكل خسارة مالية للشركات في ظل ارتفاع الوقود.

سلوك المسافرين يدعم الأسعار

لا تقع المسؤولية الكاملة على أسعار الوقود وتقليص الرحلات فقط، بل إن لرغبة المسافرين في الشراء دورًا كبيرًا. فالطائرات لا تزال ممتلئة بالركاب، وحجم الحجوزات المستقبلية القوي أقنع الشركات بقدرتها على إبقاء الأسعار مرتفعة حتى لو انخفضت أسعار النفط لاحقًا.

ومن جانبه، قال إيد باستيان، المدير التنفيذي لشركة "دلتا"، إن زيادة الأسعار كانت استجابة لارتفاع تكاليف التشغيل، ولكن بما أن المسافرين تقبلوا هذه الأسعار الجديدة، فإنها أصبحت "مستدامة".

وفي هذا الصدد، أشار زاك جريف، محرر النشرة المتخصصة في الطيران "From the Tray Table"، إلى أن الشركات تسعى دائمًا لتعظيم إيراداتها، وقال: "حتى لو انخفضت أسعار الوقود غدًا إلى مستوياتها السابقة، لن تشاهد شركات الطيران تخفض أسعارها بمجرد حدوث ذلك".

ورغم استشهاد الاقتصاديين وتنفيذيي القطاع بأن الأسعار الحالية لا تزال معقولة مقارنة بمستويات عام 2019 عند تعديلها حسب نسب التضخم، إلا أن هذه المقارنات لا تعني الكثير بالنسبة للمسافر العادي.