تضع أزمة الديون الفرنسية الولايات المتحدة أمام سؤال يتجاوز حدود المقارنة الاقتصادية، فبينما تدفع باريس ثمن ارتفاع تكلفة الاقتراض وعجزها عن التوافق سياسيًا على خفض الإنفاق، تتراكم الديون الأمريكية بوتيرة تنذر بمزيد من الضغوط على الموازنة، ورغم أن مكانة الدولار تمنح واشنطن قدرة أكبر على الاقتراض، فإنها لا تعفيها من كلفة الدين المتزايدة، وهو ما يفتح الباب للمقارنة بين أزمة فرنسا ومخاطر تواجه أكبر اقتصاد في العالم، بحسب تقرير نشرته شبكة "CNN في 20 أكتوبر 2026".

تزايدت الضغوط على المالية العامة الفرنسية مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية، مدفوعة بزيادة تكاليف الطاقة والتوترات السياسية، ما رفع تكلفة الاقتراض في وقت تحتاج فيه الحكومة إلى تقليص العجز والسيطرة على الدين العام.

وفي 20 أكتوبر، ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى 4.96%، مقتربًا من مستوى 4.9937% الذي سجله في أوائل الشهر، وهو الأعلى منذ يوليو 2002. كما اتسع الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية إلى 152.5 نقطة أساس، بما يعكس تزايد المخاوف بشأن المخاطر المرتبطة بالديون الفرنسية، وفقًا لوكالة "رويترز".

وتعني زيادة العوائد أن الحكومة الفرنسية تواجه تكلفة أعلى عند الاقتراض من الأسواق، بينما تصبح إعادة تمويل الديون القائمة أكثر كلفة مع استحقاقها وإصدار سندات جديدة.

قفزة في الدين العام الفرنسي

وتأتي هذه الضغوط في ظل صعوبة إقرار إجراءات تستهدف خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب، فالحكومة مطالبة بضبط أوضاع المالية العامة، لكنها تواجه رفضًا اجتماعيًا واسعًا لأي إجراءات قد تزيد الأعباء على المواطنين، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تكاليف المعيشة وتكاليف الطاقة.

وبحسب بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية، بلغ الدين العام الفرنسي 115.6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، فيما وصل عجز الموازنة إلى 5.1% من الناتج خلال العام نفسه. وأظهرت بيانات يوروستات أن الدين ارتفع إلى 117.6% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من 2026. وتختلف هذه الأرقام باختلاف الفترة المرجعية، لكنها تعكس استمرار ارتفاع المديونية الفرنسية، وفقًا لبيانات "المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء".

وتتجاوز المشكلة الأرقام المالية؛ إذ تواجه فرنسا انقسامًا سياسيًا يجعل الاتفاق على الموازنة والإصلاحات المطلوبة أكثر صعوبة. وكلما تعثرت الحكومة في إقرار إجراءات خفض العجز، ازدادت المخاوف من استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض، في حلقة تضغط على المالية العامة وتضيّق مساحة الخيارات المتاحة أمام صناع القرار.

ولا تقتصر الضغوط على فرنسا وحدها، إذ ارتفعت عوائد السندات الحكومية في عدد من الاقتصادات المتقدمة، في ظل تراكم الديون وارتفاع أسعار الفائدة وتزايد تكلفة خدمة الاقتراض.

وذكر صندوق النقد الدولي أن متوسط عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات في مجموعة السبع ارتفع بأكثر من نقطة مئوية بين فبراير وسبتمبر 2026، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ نحو عقدين، كما توقع الصندوق أن يتجاوز الدين العام العالمي 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، وهو مستوى لم يُسجل منذ الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة.

لماذا لا تواجه الولايات المتحدة الأزمة نفسها حتى الآن؟

تبدو المؤشرات الأمريكية مقلقة بدورها، فقد أنهت الولايات المتحدة السنة المالية 2026 بعجز في الموازنة بلغ نحو تريليوني دولار، أي ما يزيد على 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات "مكتب الموازنة في الكونجرس الأمريكي". وتتزايد كذلك تكلفة خدمة الدين، إذ بلغت مدفوعات الفوائد على الدين الفيدرالي مستوى قياسيًا قدره 1.36 تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، وفق "رويترز".

لكن الولايات المتحدة تتمتع بميزة لا تتوافر لفرنسا بالدرجة نفسها، تتمثل في مكانة الدولار بوصفه العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم. وتُجرى بالدولار غالبية المعاملات المالية والتجارية الدولية، بما فيها تجارة سلع أساسية مثل النفط والذهب، ما يدعم الطلب العالمي عليه.

وتستفيد الحكومة الأمريكية من هذا الطلب عبر سوق سندات الخزانة، التي تعد من أبرز الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون عند البحث عن ملاذات آمنة، ويساعد الطلب المستمر على هذه السندات الولايات المتحدة في تمويل ديونها، حتى في فترات الاضطراب في الأسواق المالية.

وتدعم عوامل أخرى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل الضغوط، من بينها حجمه الكبير وتنوع قطاعاته، بما يقلل تعرضه للصدمات التي قد تؤثر بصورة أكبر في الاقتصادات الأصغر. كما يسهم الاستثمار المتزايد في الذكاء الاصطناعي في دعم النشاط الاقتصادي، في وقت تعاني فيه قطاعات أخرى من الركود أو التباطؤ.

وتشير توقعات مكتب الموازنة في الكونجرس إلى أن الدين الفيدرالي الذي يحمله الجمهور قد يرتفع من نحو 101% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 120% بحلول 2036. وتفصّل هذه التقديرات دراسة المكتب بشأن "التوقعات الاقتصادية والمالية للفترة من 2026 إلى 2036".

هل يمكن أن تنتقل الأزمة إلى دول أخرى؟

تثير الأزمة الفرنسية مخاوف من انتقال الضغوط إلى بقية منطقة اليورو، لكن اقتصاديين يرون أن احتمالات انتشارها على نطاق واسع لا تزال محدودة.

ويعود ذلك جزئيًا إلى اختلاف الأوضاع المالية بين الدول الأوروبية، وإلى قدرة البنك المركزي الأوروبي على التدخل إذا استدعت الظروف ذلك، فالبنك يستطيع شراء سندات حكومية للحد من انتقال الاضطرابات إلى أسواق أخرى، وفق أندرو كينينجهام، كبير الاقتصاديين المختصين بأوروبا في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس»، كما نقلت CNN.

وتختلف الأوضاع أيضًا بين الدول من حيث حجم العجز والقدرة على ضبط الإنفاق، فيما أعلنت أحزاب فرنسية من اليمين واليسار رغبتها في البقاء داخل الاتحاد الأوروبي. ومن بينها مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف والمرشحة البارزة للرئاسة، التي سبق أن دعمت خروج فرنسا من الاتحاد قبل أن تتراجع عن هذا الموقف.

من المتوقع أن تواجه الولايات المتحدة سقف الدين مجددًا خلال 2027، ما يفرض على الكونجرس التفاوض مع الرئيس دونالد ترامب لرفعه، و تصبح المفاوضات أكثر تعقيدًا إذا تزامنت مع انقسام سياسي بين البيت الأبيض والكونجرس، خصوصًا إذا سيطر الديمقراطيون على أحد المجلسين أو كليهما.

ويحدد سقف الدين الحد القانوني للاقتراض الذي يمكن للحكومة الفيدرالية القيام به للوفاء بالتزاماتها المالية. وإذا أخفق الكونجرس في رفعه أو تعليقه في الوقت المناسب، فقد تضطر الحكومة إلى التخلف عن سداد بعض التزاماتها، حتى إذا كانت قادرة من الناحية الاقتصادية على الدفع لو توافر لها الاقتراض اللازم.