منذ أكثر من قرن، تقف مخطوطة فوينيتش أمام الباحثين ككتاب مفتوح شديد الإلغاز، لا يستطيع أحد قراءة ما فيه. حروف غريبة، ورسوم لنباتات وأشكال فلكية وأشخاص، ونص لم تنجح محاولات متعاقبة في فك رموزه. لكن دراسة جديدة تقترح أن المشكلة قد لا تكون في اللغة وحدها؛ فربما وصل الكتاب إلى شكله الحالي بعد أن جُمعت أوراقه بترتيب خاطئ.
تعود المخطوطة إلى أوائل القرن الخامس عشر، وتتكون من 240 صفحة من الرق، كُتب عليها ما يقارب 38 ألف كلمة بنظام كتابة لا يزال مجهولًا. اشتراها تاجر الكتب القديمة ويلفريد فوينيتش عام 1912، وهي محفوظة منذ عام 1969 في مكتبة الكتب النادرة بجامعة ييل الأمريكية. وعلى الرغم من الاهتمام الواسع بها، لم يتوصل الباحثون حتى الآن إلى تفسير حاسم لمحتواها.
أوراق لا تنسجم مع بعضها
بدأت الفكرة الجديدة عندما لاحظت ليزا فاغين ديفيس، الباحثة المشاركة في الدراسة والمديرة التنفيذية للأكاديمية الأمريكية لدراسات العصور الوسطى، أن أنماط الكتابة وتوزيع الرسوم داخل المخطوطة لا تتوافق دائمًا مع ترتيب الصفحات الحالي. ففي بعض المواضع، يمتد رسم عبر صفحتين، لكن أجزاءه تظهر متباعدة تفصل بينها صفحات أخرى.
واقترحت ديفيس وكولن ليفيلد، الباحث في نظم المعلومات بجامعة مالطا، أن الأوراق ربما كانت في الأصل مجموعات منفصلة من الرق المطوي، تُعرف باسم «سينغوليون»، قبل أن تُجمع لاحقًا بطريقة غير صحيحة. ونُشرت دراستهما في مجلة «Digital Medievalist» في 19 أكتوبر 2026.
تحليل لغوي يفتح مسارًا جديدًا
لاختبار الفرضية، استخدم ليفيلد تقنية «التحليل الدلالي الكامن»، وهي طريقة إحصائية تساعد على رصد أوجه التشابه والاختلاف بين مجموعات النصوص. وأظهرت النتائج أن بعض الصفحات أقل ترابطًا من غيرها، فيما بدت مجموعات أخرى أكثر تشابهًا، وهو ما ينسجم مع احتمال أن ترتيب الأوراق الحالي لا يعكس تسلسلها الأصلي.
وقد تساعد هذه الفرضية أيضًا في تفسير اختلاف مواضع بقع الماء على بعض الصفحات، إذ قد تكشف مقارنة أشكالها عن أوراق كانت متجاورة قبل إعادة التجليد.
ومع ذلك، لا تعني النتائج أن الباحثين فكوا رموز المخطوطة، ولا تثبت بصورة نهائية أنها جُمعت على نحو خاطئ. لكنها تفتح طريقًا جديدًا لدراستها: فقبل محاولة قراءة رسالة مجهولة، ربما يتعين أولًا التأكد من أن صفحاتها تقود إلى بعضها بالترتيب الصحيح.




