قد تبدو السوق الأمريكية وجهة تجارية طبيعية للاقتصادات الكبرى، لكن حجم الاعتماد عليها يختلف بصورة حادة من دولة إلى أخرى. وتكشف بيانات 2025 فجوة واسعة داخل مجموعة العشرين، إذ تتصدر المكسيك وكندا القائمة بفارق كبير عن بقية الاقتصادات.

وتستقبل الولايات المتحدة 81.9% من صادرات المكسيك السلعية و72.3% من صادرات كندا. في المقابل، لا تتجاوز حصة السوق الأمريكية 18.1% في المتوسط من صادرات اقتصادات مجموعة العشرين، ما يجعل أمريكا الشمالية حالة استثنائية داخل المجموعة.

المكسيك وكندا في دائرة الاعتماد

لم تتشكل هذه العلاقة خلال فترة قصيرة، إذ تعود جذورها إلى عقود من الاندماج الاقتصادي بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وأسهمت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1994، في خفض الحواجز التجارية وتعزيز حركة السلع بين الدول الثلاث.

وفي 2020 حل اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا محل الاتفاق السابق، مواصلًا ترسيخ هذا الترابط الاقتصادي. ومع عودة التوترات التجارية خلال الإدارة الأمريكية الثانية لدونالد ترامب، أصبح حجم الاعتماد على السوق الأمريكية أكثر حساسية.

تعرضت كندا لـتعريفات أمريكية وردت عليها بإجراءات مماثلة بعد تعثر المفاوضات بين أوتاوا وواشنطن. أما المكسيك، صاحبة أعلى نسبة اعتماد داخل مجموعة العشرين، فتواصل التفاوض مع الولايات المتحدة في محاولة لتجنب مزيد من الرسوم على قطاعات الزراعة والسيارات.

فارق كبير مع بقية الاقتصادات

خارج أمريكا الشمالية، لا تقترب أي دولة من مستويات المكسيك وكندا. وتأتي اليابان في المرتبة الثالثة، إذ تتجه 18.6% من صادراتها السلعية إلى الولايات المتحدة. وتليها الهند عند 18.3%، ثم كوريا الجنوبية عند 17.4%. وتبلغ حصة الولايات المتحدة من صادرات المملكة المتحدة 15.9%، مقابل 14.7% للصين، أكبر مصدر للسلع في العالم. وتنخفض النسبة إلى 11% في إندونيسيا و10.9% في البرازيل و10.8% في إيطاليا.

وتسجل الأرجنتين 9.6% وألمانيا 9.4% وفرنسا 8.6%، بينما تصل إلى 7.4% في أستراليا و7.1% في جنوب أفريقيا. وتهبط النسبة إلى 6% في تركيا و4.3% في السعودية و0.9% في روسيا. وتساعد طبيعة العلاقات التجارية الإقليمية في تفسير بعض هذه الفروق. فاقتصادات الاتحاد الأوروبي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة داخل التكتل، ما يقلل نسبيًا حصة الولايات المتحدة من إجمالي صادراتها.

لماذا تختلف أمريكا الشمالية؟

يرتبط ارتفاع النسب في المكسيك وكندا بشبكة واسعة من سلاسل الإمداد والتجارة عبر الحدود. ومع مرور الوقت، أصبحت السوق الأمريكية وجهة رئيسية لجزء كبير من صادرات البلدين. ويظهر هذا الترابط بوضوح في قطاع الطاقة الكندي. فالولايات المتحدة، رغم إنتاجها الكبير من النفط والغاز، تستورد كميات ضخمة من النفط الكندي. وحصلت المنتجات الكندية للطاقة على معاملة جمركية مختلفة عن عدد من الواردات الأخرى خلال النزاع التجاري.

ودخلت مكانة كندا كمورد رئيسي للطاقة إلى النقاش السياسي والتجاري مع واشنطن، بعدما طرح سياسيون كنديون بارزون فرض ضرائب على صادرات النفط إلى الولايات المتحدة وسيلة للضغط على الإدارة الأمريكية.

أسواق أخرى تقلل الاعتماد

توضح الأرقام أن انخفاض حصة الولايات المتحدة لا يعني غياب الحضور في الاقتصاد العالمي، فالسعودية وروسيا، اللتان تسجلان أدنى نسب في القائمة، تمتلكان أسواقًا واسعة لصادرات الطاقة في مناطق أخرى، خصوصًا آسيا وأوروبا.

وتقدم الصين مثالًا آخر على تنوع الوجهات التجارية. فرغم ضخامة صادراتها، لا تتجه سوى 14.7% منها إلى السوق الأمريكية. وتستند المقارنة إلى صادرات السلع فقط، وفق أحدث البيانات المتاحة لعام 2025 من قاعدة الأمم المتحدة للتجارة ومرصد التعقيد الاقتصادي. واستبعدت البيانات الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي من الترتيب رغم عضويتهما في مجموعة العشرين.

وتكشف هذه الأرقام أن أهمية السوق الأمريكية لا تقاس بحجم التجارة معها فقط، وإنما بحجم الاعتماد عليها داخل الاقتصاد المصدر. وكلما ارتفعت هذه الحصة، أصبحت التغيرات في الرسوم والسياسات التجارية أكثر قدرة على التأثير في حركة صادرات الدولة.