رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة للمرة الأولى منذ 2023، في خطوة تعكس استمرار مخاوفه بشأن التضخم، رغم تباطؤ النشاط الاقتصادي خلال الفترة الماضية. وصوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بالإجماع على رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية، ليتراوح نطاقها بين (3.75%- 4%).
ويأتي القرار في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من المستوى الذي يستهدفه الفيدرالي البالغ 2%، ما يدفع البنك المركزي إلى استخدام أسعار الفائدة للحد من ارتفاع الأسعار عبر تهدئة الطلب والنشاط الاقتصادي.
ويضع هذا القرار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مسار أسعار الفائدة. فترامب دعا مرارًا إلى خفض الفائدة، معتبرًا أن الاقتصاد الأمريكي يحتاج إلى تكاليف اقتراض أقل، فيما يؤكد وارش أن قرارات الاحتياطي الفيدرالي تستند إلى مهمته في تحقيق استقرار الأسعار، وأنه مستقل عن البيت الأبيض.
ولا يبدو أن رفع الفائدة اليوم سيكون الأخير هذا العام؛ إذ أظهرت التوقعات الجديدة أن غالبية مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي يرجحون رفعها مرة أخرى قبل نهاية 2026. فيما يرى أربعة مسؤولين إمكانية وصول سعر الفائدة القياسي إلى نطاق يتراوح بين 4.25% و4.5% بنهاية العام.
وفي المقابل، يتوقع مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي أن يستغرق التضخم وقتًا أطول للعودة إلى مستواه المستهدف عند 2%، مع تقديرات تشير إلى إمكانية بلوغ هذا المستوى بحلول عام 2029 تقريبًا، رغم أن توقعاتهم بشأن النمو الاقتصادي ومعدل البطالة في البلاد كانت متفائلة.
تأتي أسعار الطاقة في مقدمة العوامل التي تضغط على التضخم، إذ أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية المستمرة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة.
ولا تزال أسعار البنزين في الولايات المتحدة أعلى في المتوسط بنحو دولار واحد للغالون مقارنة بالعام الماضي، بينما وصل سعر وقود الديزل، المستخدم في الحافلات والقطارات والشاحنات، مؤخرًا إلى مستوى قياسي بلغ 6.31 دولارًا.
وامتدت مخاوف التضخم إلى سوق السندات الأمريكية، حيث شهدت السوق موجة بيع دفعت عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في 19 عامًا خلال وقت سابق من هذا الأسبوع، ويكتسب هذا التطور أهمية بالنسبة إلى المستهلكين والشركات، إذ قد يؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض في سوق السندات إلى زيادة أسعار الفائدة على القروض، بما يضيف ضغوطًا جديدة على تكلفة التمويل.
يستخدم الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة للحد من ارتفاع الأسعار من خلال إبطاء النشاط الاقتصادي. وقد لجأ إلى هذا النهج بقوة بعد وصول التضخم في الولايات المتحدة إلى 9.1% في يونيو 2022، وهو أعلى مستوى له منذ عقود.
ورفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة 11 مرة خلال عامي 2022 و2023، حتى وصلت إلى نطاق 5.25%–5.5%، قبل أن يبدأ خفضها تدريجيًا خلال 2024 و2025.
كان رفع الفائدة يبدو مستبعدًا في بداية العام، إذ كان التضخم السنوي أقل بنسبة 1% من مستواه الحالي، وكان غالبية مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي يتوقع خفض الفائدة قبل نهاية العام. لكن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة في أغسطس، بالتزامن مع استقرار معدل البطالة، غيّر هذه التوقعات ورفع احتمالات تشديد السياسة النقدية مجددًا.
ماذا يعني رفع الفائدة؟
تمثل أسعار الفائدة تكلفة اقتراض الأموال، لذلك يؤدي رفع الفيدرالي لسعر الفائدة المستهدف إلى زيادة تكلفة الحصول على التمويل، بدءًا من البنوك وصولًا إلى الأفراد والشركات. وينعكس ذلك على أنواع مختلفة من القروض، وفي مقدمتها الرهون العقارية وقروض السيارات وقروض الطلاب، ما قد يجعل بعض المستهلكين أكثر حذرًا في الاقتراض والإنفاق، كما قد يقلل قدرة بعض الأسر على شراء المنازل.
ولا يقتصر تأثير ارتفاع الفائدة على المستهلكين، إذ تواجه الشركات أيضًا تكلفة أكبر عند الاقتراض لتمويل التوسع أو إنشاء مصانع جديدة أو زيادة عدد الموظفين.
ومع ارتفاع تكلفة التمويل، قد تتراجع بعض الاستثمارات، وهو ما يمكن أن يحد من وتيرة النمو الاقتصادي، في الوقت الذي يسعى فيه الفيدرالي إلى تهدئة النشاط والطلب لكبح التضخم.
ويمتد تأثير أسعار الفائدة الأمريكية إلى الاقتصاد العالمي أيضًا، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاعها إلى زيادة تكاليف الاقتراض في اقتصادات أخرى، كما قد يدعم ارتفاع قيمة الدولار، ما يجعل شراء السلع الأمريكية أكثر تكلفة بالنسبة إلى المشترين في الخارج.
في النهاية، سيعتمد تأثير رفع الفائدة على مدى سرعة تراجع التضخم، وما إذا كان سيتباطأ بالقدر الذي يتوقعه الاحتياطي الفيدرالي.




