تتجه أنظار دول بريكس إلى نيودلهي، حيث من المقرر عقد القمة الـ18 للمجموعة يومي 12 و13 سبتمبر 2026، في وقت تسعى فيه الدول الأعضاء إلى وضع خارطة طريق اقتصادية طويلة الأجل حتى عام 2030، وسط إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية بفعل الإجراءات الجمركية الأمريكية والتوترات الجيوسياسية.
ومن المتوقع أن تكون "استراتيجية الشراكة الاقتصادية لبريكس 2030" أحد أبرز المخرجات الاقتصادية للقمة، بعدما أشاد وزراء التجارة في اجتماعهم بمدينة جايبور خلال أغسطس بالتقدم الذي أحرزته الهند في إعدادها، واتفقوا على تقديمها، إلى جانب أولويات الرئاسة الهندية، إلى قادة المجموعة لاعتمادها خلال القمة.
استراتيجية 2030.. ماذا تريد بريكس؟
تأتي الاستراتيجية الجديدة خلفا لـ"استراتيجية الشراكة الاقتصادية 2025"، التي طرحت خلال القمة الـ17 في ريو دي جانيرو العام الماضي، ومن المنتظر أن تقدم إطارا شاملا للتعاون في التجارة والاستثمار، والنظام التجاري متعدد الأطراف، والاقتصاد الرقمي، والتعاون المالي، والصناعة، والابتكار، والتنمية المستدامة.
وبذلك، يمكن لقمة نيودلهي أن تنقل الأجندة الاقتصادية لبريكس من مبادرات منفصلة إلى خارطة طريق طويلة الأجل، تتضمن مجالات محددة للتعاون وآليات للتنفيذ. ووضع اجتماع جايبور عددا من اللبنات الأساسية للاستراتيجية، بينها التعاون في سلاسل القيمة العالمية، والتجارة والخدمات الرقمية، وتمويل التجارة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتمويل بالعملات المحلية، والجمارك والمعايير.
ومن المرجح أن تستخدم الهند الاستراتيجية لدفع مزيد من التنسيق بين أعضاء بريكس بشأن إصلاح منظمة التجارة العالمية، والحماية من التدابير التجارية التمييزية، والحفاظ على مساحة السياسات المتاحة للدول النامية. وكان إعلان قمة ريو قد انتقد الإجراءات الجمركية وغير الجمركية الأحادية، وأكد مجددا أن منظمة التجارة العالمية تمثل مركز النظام التجاري متعدد الأطراف.
وقال خبير السياسة التجارية الدولية أبهيجيت داس، بحسب "Financial Express"، إن بريكس كان من الأفضل أن تصدر بيانا يدين الولايات المتحدة ويندد بإجراءاتها التجارية، لكنه اعتبر أن حدوث ذلك غير مرجح.
سلاسل الإمداد.. والهند تبحث عن التنويع
من الأهداف الرئيسية للاستراتيجية تعزيز التكامل بين سلاسل توريد دول بريكس، لكن الهند من المتوقع أن تفضل التنويع على التكامل الذي يزيد الاعتماد على الصناعات التحويلية الصينية. وتتضمن خطة العمل الخاصة بالتفاهم المشترك بين دول بريكس بشأن سلاسل القيمة العالمية خطة للفترة من 2026 إلى 2030، مع إمكانية إنشاء منصة استراتيجية لسلاسل الإمداد وترويج الاستثمار، تغطي قطاعات مثل الأدوية والأمن الغذائي.
كما ساهم اجتماع جايبور في دفع انفتاح الأسواق والتنويع الاقتصادي بين دول المجموعة. وبالنسبة للهند، قد تساعد هذه المبادرات في جذب استثمارات إلى قطاعات الإلكترونيات، والأدوية، وتصنيع الأغذية، والهندسة، والمعادن الحيوية، في وقت تسعى فيه الشركات إلى تنويع إنتاجها بين دول مختلفة.
ويرى سيفاكومار رامجي، المدير التنفيذي لشركة "Nanjia Global"، أن أولوية الهند لا ينبغي أن تكون تقديم بريكس كبديل للغرب، وإنما جعلها منصة موثوقة للتنويع الاقتصادي والمرونة وتوفير خيارات استراتيجية.
بريكس والدولار.. من "الخيال" إلى بدائل الدفع
يمثل التعاون المالي والمدفوعات ركيزة رئيسية أخرى لاستراتيجية 2030، إذ أيد إعلان ريو تعزيز قابلية التشغيل البيني لأنظمة الدفع في دول بريكس وزيادة استخدام العملات المحلية، بينما ناقش اجتماع جايبور تمويل التجارة بين دول المجموعة بالعملات المحلية. ومن المتوقع أن تفضل الهند التجارة بالعملة المحلية عبر تفاهمات ثنائية، بدلا من إنشاء عملة موحدة لبريكس، وفقا لوزير التجارة والصناعة الهندي بيوش جويال.
وتناقش المجموعة بالفعل بدائل لأنظمة الدفع القائمة على الدولار، بدءا من مبادرة "BRICS Pay"، وصولا إلى ربط أنظمة الدفع المحلية الموجودة بالفعل، مثل UPI في الهند وCIPS في الصين وPIX في البرازيل، إلى جانب إمكانية النظر مستقبلا في استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية.
ويرى جيم أونيل، الاقتصادي الذي صاغ اختصار BRIC قبل نحو ربع قرن، أن التطورات الأخيرة في تكنولوجيا المدفوعات غيرت نظرته إلى احتمالات وجود ترتيبات مالية بديلة بين دول بريكس.
وقال أونيل لوكالة "رويترز" إنه قبل نحو 18 شهرا كان سيصف فكرة أن تتمكن دول بريكس من إنشاء أدوات مالية بديلة بأنها "خيال"، مشيرا إلى أن الكثير من التفكير في النظام النقدي العالمي تشكل على مدار عقود من هيمنة الدولار، بعد انهيار النظام الذي أنشأته اتفاقية بريتون وودز في سبعينيات القرن الماضي.
ورغم ذلك، لا يزال الدولار العملة الاحتياطية والتجارية المهيمنة عالميا، بينما أصبح تقليل الاعتماد عليه، سواء في التجارة أو الاستثمار أو احتياطيات البنوك المركزية، هدفا متزايدا لدى العديد من الاقتصادات الناشئة.
عملة موحدة أم نظام مالي أكثر تنوعا؟
رغم الحديث عن بدائل الدولار، لا تبدو العملة الموحدة لبريكس أولوية فورية. وقال رامجي إن العملة الموحدة ليست ضرورية ولا واقعية في الوقت الحالي، وإن الهدف الأكثر عملية هو التنويع المالي، من خلال زيادة استخدام العملات المحلية حيثما يكون ذلك مجديا تجاريا، وتطوير آليات دفع قابلة للتشغيل البيني، وتعزيز تمويل التنمية، وتقليل الاعتماد على عدد محدود من القنوات المالية الدولية.
وتستهدف المجموعة أيضا جعل المدفوعات عبر الحدود أرخص وأسرع، وزيادة التمويل بالعملات المحلية، وتعزيز دور المؤسسات المالية التابعة لبريكس في دعم التجارة. لكن أونيل يرى أن المجموعة لا تزال تواجه صعوبة في تحويل رؤيتها الجماعية إلى سياسات، بسبب المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المتباينة بين أعضائها.
وقال إن "الرمزية قوية حقا"، لكنه يجد صعوبة في تحديد إنجازات ملموسة للمجموعة باستثناء إنشاء بنك التنمية الجديد.
دعم الشركات الصغيرة والاقتصاد الرقمي
من المنتظر أن تمنح استراتيجية 2030 أهمية أكبر للمصدرين والشركات الصغيرة والمتوسطة، إذ اقترح إجماع جايبور دراسة آلية لخصم الفواتير لدول بريكس، ومبادئ لتقييم الشركات الصغيرة والمتوسطة الموجهة للتصدير.
ويستهدف ذلك تحسين فرص حصول هذه الشركات على تمويل التجارة، من خلال منح المقرضين وزنا أكبر لأداء الأعمال والتدفقات النقدية، بدلا من الاعتماد بشكل أساسي على الضمانات التقليدية. كما تمثل التجارة الرقمية مجالا آخر للنمو، بعدما وضعت جايبور مبادئ لتسهيل تقديم الخدمات الرقمية عبر الحدود، استنادا إلى تأكيد إعلان ريو على التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.
وبالنسبة للهند، قد يساعد ذلك في توسيع صادرات تكنولوجيا المعلومات والخدمات المهنية وغيرها من الخدمات الرقمية إلى أسواق بريكس. وتضم مجموعة بريكس الموسعة 11 اقتصادا رئيسيا، ونحو نصف سكان العالم، وحوالي 32% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ونحو 26% من التجارة العالمية في السلع.




