تشهد أسواق المملكة العربية السعودية إقبالًا لافتًا وتدفقًا غزيرًا لثمار المانجو المحلية ذات الجودة العالية، بالتزامن مع انطلاق موسم الحصاد السنوي الذي يمتد من شهر أبريل وحتى أغسطس من كل عام، بينما يبدأ في بعض المناطق بشكل مبكر من منتصف مارس ويصل ذروته في مايو.
وتطرح مزارع المملكة ما يزيد على 1.2 مليون شجرة مانجو مثمرة، ينتج عنها عائد محلي وفير يتجاوز 105 آلاف طن سنويًا، وتتوزع هذه الزراعة على مساحات شاسعة تقدر بأكثر من 6880 هكتارًا، ولا يقتصر هذا الإنتاج الوفير على تلبية الطلب المتزايد للمستهلكين وتحقيق الاكتفاء الذاتي دعمًا للأمن الغذائي فحسب، بل يمتد ليسهم بفاعلية في تعزيز قطاع الصناعات التحويلية المحتضنة للمنتجات الزراعية الوطنية.
تاريح زراعة المانجو في المملكة
وقد انطلقت مسيرة المانجو الرسمية في أراضي المملكة في عام 1972، وذلك من خلال تجربة زراعية أولى احتضنها مركز الأبحاث الزراعية في منطقة جازان، والتي لا تزال تضم أقدم شجرة مانجو في البلاد حيث يصل طولها إلى نحو 30 مترًا، وتطورت هذه الخطوة الاستكشافية بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، حيث جُلبت أصناف عالمية من مواطنها الأصلية المشابهة لبيئة جازان، مثل مصر والسودان والولايات المتحدة وأستراليا والهند وكينيا، وطُبقت عليها الدراسات والأبحاث حتى بدأت الزراعة الفعلية والتجارية الرسمية في عام 1982، لتتحول المنطقة لاحقًا إلى النواة الأساسية لإنتاج هذه الفاكهة في المملكة.
أماكن زراعة المانجو في السعودية
تتصدر منطقة جازان، الواقعة في الجنوب الغربي، الخارطة الإنتاجية للمانجو في المملكة نظرًا لتوفر التربة الطمية العميقة أو الصفراء الخفيفة المناسبة والطقس الحار والرطب الذي يقلل من احتراق الأوراق ويحفز نمو الأشجار التي قد يمتد عمرها لنحو قرن من الزمان، حيث تبدأ شجرة المانجو بالإنتاج في عامها الرابع ويبلغ الإنتاج ذروته بين عمر 8 إلى 15 سنة.
وتضم جازان وحدها ما يزيد على 19 ألف مزرعة تحتضن مليون شجرة تدر نحو 65 ألف طن سنويًا، وتتوزع في محافظات صبيا وأبو عريش وبيش والدرب وصامطة، ويُصدر جزء من هذا المحصول إلى أنحاء العالم، كما يحتفى به سنويًا عبر مهرجان المانجو السياحي الذي انطلق منذ عام 2005.
وإلى جانب جازان، توسعت زراعة المانجو لتشمل محافظات القنفذة والليث وأضم في منطقة مكة المكرمة، ومحافظتي المخواة وقلوة في منطقة الباحة، والمحافظات الساحلية في منطقة تبوك، بالإضافة إلى مناطق عسير ونجران والمدينة المنورة والمنطقة الشرقية.
وتزخر المزارع السعودية بتنوع إنتاجي فريد يضم عشرات الأصناف العالمية والمحلية التي تختلف في أحجامها وألوانها ومواعيد نضجها، ومن أبرز هذه الأنواع صنف "هندي" الذي يعود لأصل مصري وينضج مبكرًا في نهاية مارس بلون أخضر وحجم متوسط، وصنف "جلن" المنحدر من ولاية فلوريدا الأمريكية والذي ينضج بلون أصفر برتقالي في منتصف أبريل، كما يبرز صنف "كنجستون" الأسترالي ذو اللون البرتقالي الأصفر، وصنف "تومي اتكنز" الأمريكي ذو الثمار الكبيرة واللون الأحمر أو البرتقالي، وصنف "لانجرا" الهندي ذو اللون الأصفر عند النضج، حيث تجمع كل هذه الأصناف بين شهري أبريل ومايو.
وخلال شهر مايو، تنضج أصناف أخرى مثل "الزبدة" مصري الأصل وكبير الحجم ذي اللون الأخضر، وصنف "زل" الأمريكي الأصفر، وصنف "كارابوا" الفلبيني الصغير والبرتقالي، إلى جانب "العنب اليمني" الأصفر والصغير، وصنف "جولي" ذي اللون البرتقالي المحمر.
ويمتد الحصاد إلى أوائل يونيو مع صنف "ماليكا" الهندي البرتقالي المصفر، وصنف "دبشة" المصري الكبير والبرتقالي، بينما يتأخر صنف "بالمر" الأمريكي ليُجمع حتى أول يوليو، وهناك أصناف أخرى عديدة تثري الأسواق مثل السكري، والكيت، والألفونس، والجوليك، والسندري، والمليكة، والفالنسيا، والخد الجميل، ورويال، وغيرها الكثير.
جهود المملكة في تطوير زراعة المانجو
وتقف وراء هذا النجاح جهود حثيثة تبذلها وزارة البيئة والمياه والزراعة، حيث تضع زراعة المانجو ضمن مستهدفات برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة لتطوير القطاع وتشجيع المزارعين على التوسع وزيادة أعداد المزارع. وتقدم الوزارة، عبر مراكز الأبحاث الزراعية، حزمة متكاملة من الدعم والخدمات تشمل تحليل المياه والتربة، وتطبيق الجولات الميدانية الإرشادية، وتقديم التوصيات الفنية والتسهيلات التمويلية، وتوفير الشتلات بأسعار رمزية، والتوسع في استخدام التقنيات الزراعية الحديثة لرفع كفاءة الجودة.
وفي مسار سلاسل الإمداد والتسويق، أطلقت الوزارة حملة "حلوة بموسمها" التوعوية التي تهدف إلى التعريف بالفواكه الموسمية المحلية وأوقات وفرتها، مما يرفع من معايير السلامة والجودة، ويعزز استهلاك المنتج الوطني، فضلًا عن تنظيم البرامج والمعارض المحلية التي تضمن وصول المانجو إلى المستهلكين بكل يسر وسهولة وتزيد من العوائد المالية للمزارعين المحليين.












