يمثل "منتدى لوجيازوي" المالي السنوي في شنغهاي المنصة الأبرز التي تكشف من خلالها بكين عن خططها الرامية لصياغة مستقبل الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وخلال منتدى هذا العام، كشف المسؤولون الصينيون عن حزمة تدابير تهدف إلى توسيع التمويل الخارجي باليوان وتعميق دور شنغهاي كمركز مالي دولي وضخ سيولة للمستثمرين السياديين والبنوك المركزية الأجنبية.
ورغم تشكيك المراقبين الغربيين في مدى جدية هذه الخطوات وقدرتها على إزاحة الدولار الأمريكي، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يركز على استبدال الدولار بالكامل، بل على البناء المنهجي والتدريجي لبنية تحتية مالية تقلل اعتماد بكين والدول الأخرى على النظام المرتكز على الدولار؛ فالقضية هنا جيوسياسية وليست نقدية فحسب.
على مدى 8 عقود، وفرت هيمنة الدولار لواشنطن أدوات نفوذ استثنائية لفرض العقوبات وتقييد المقاصة وتوجيه رأس المال لخدمة أمنها القومي، وهو تركز هائل للسلطة ضاقت به الصين ذرعًا عقود وباتت اليوم في وضع أفضل للتحرك ضده.
تدويل اليوان
وتدخل الخطة الصينية لتدويل اليوان، والتي بدأت عقب الأزمة المالية عام 2008، مرحلة جديدة تتزامن مع العام الأول لتنفيذ "الخطة الخمسية الـ15"، وهي وثيقة ملزمة لتخصيص الموارد وصياغة الأولويات ترفع القطاع المالي إلى مستوى الهدف الاستراتيجي لبناء الصين كـ "قوة مالية عظمى" وتوجيه كافة المؤسسات والبنوك الحكومية لدعم هذا التوجه بلا هوادة.
وعلى وول ستريت ألا تستهين بهذا التهديد، فالمشهد يعيد إلى الأذهان التقليل الغربي السابق من مبادرة "صنع في الصين 2025"، والتي نجحت في النهاية في ترسيخ مكانة الصين العالمية في قطاعات استراتيجية وأشعلت الحرب التجارية عام 2018، والدرس الثابت هو أن بكين لا تتخلى عن أهدافها المدرجة في الخطط الوطنية.
ورغم أن إجراءات لوجيازوي تفتح فرصًا لرأس المال العالمي، إلا أنها لا تعني رغبة الصين في تحرير حساب رأس المال بالكامل، بل تهدف أساسًا إلى تقليص تعرضها للنفوذ المالي الأمريكي، مما يرفع من المخاطر الجيوسياسية للاستثمارات المرتبطة بها.
الموقف الأمريكي
وفي واشنطن، يلتزم صقور الصين في الكونجرس الصمت مؤقتًا بضغط من ترامب، لكن المتوقع ألا يستمر هذا الانكفاء، إذ يتزايد الاهتمام التشريعي بفحص الاستثمارات الخارجية وانكشاف صناديق التقاعد في الأسواق الصينية.
وإذا تغيرت التوازنات السياسية لصالح الديمقراطيين أو صقور الجمهوريين، فستشهد وول ستريت رقابة صارمة، مدفوعة بتقارب غير معتاد بين التقدميين والمحافظين على مبدأ التشكيك في الانخراط المالي مع الصين.
أما دوليًا، فتحظى التطورات الصينية بترحيب واسع، لا سيما في الجنوب العالمي والشرق الأوسط ودول مثل كندا وآسيان، إذ تدفع الصراعات الإقليمية والمخاوف من سلاح العقوبات والسياسات التجارية الأمريكية المتقلبة في عهد ترامب، العديد من الحكومات إلى السعي وراء مرونة استراتيجية.
ولا يعني هذا رغبة الدول في التخلي الكامل عن الدولار أو التبعية للصين، بل يعني جاذبية وجود "بديل وتحوط".
ولا تحتاج بكين لانتصار استراتيجي كامل يتطلب إزاحة الدولار، بل يقتصر هدفها الأكثر واقعية على خلق بدائل كافية تنهي الاضطرار للتعويل الحصري على النظام الأمريكي.
إن نشوء عالم تدار فيه حصة مؤثرة من التجارة والطاقة والاحتياطيات خارج قنوات الدولار التقليدية يمثل تحولاً استراتيجيًا عميقًا مقارنة بالعقد الماضي، مما يفرض على واشنطن التساؤل بجدية عن مدى انتباهها لمنافس أعلن رسميًا عزمة على صياغة هذا الواقع المالي الجديد.














