تشهد أروقة صناعة القرار الاقتصادي في واشنطن حالة من التوتر المتصاعد، حيث يواجه مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي تحديات جسيمة في كبح جماح التضخم، بالتزامن مع اتساع رقعة التداعيات الاقتصادية للحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وهذا الصراع الذي دخل أسبوعه العاشر، بدأ يفرض واقعاً جديداً يختلف تماماً عن التوقعات الأولية التي سادت في بداية الأزمة.
وفي منتصف مارس الماضي، ومع بداية اندلاع الشرارة الأولى للحرب، حاول رئيس مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، طمأنة الأسواق، وصرح حينها بأن التأثيرات التضخمية ستكون "مؤقتة" ومحصورة في قطاع الطاقة فقط.
هذا التصريح أبقى الباب موارباً أمام احتمالية خفض أسعار الفائدة لمرة واحدة على الأقل خلال العام الجاري، وهو ما عزز تفاؤل "وول ستريت" خاصة مع اقتراب تولي "كيفن وارش" للمنصب، المعروف بميوله نحو خفض الفائدة.
ومع ذلك، ومع دخول الحرب شهرها الثالث، تبخر هذا التفاؤل وحل محله قلق عميق، ففي اجتماع الفيدرالي الأخير في أواخر أبريل، ظهر انقسام حاد وغير مسبوق بين المسؤولين.
انقسام داخل الفيدرالي
واعترض ثلاثة من كبار رؤساء البنوك الإقليمية (بيث هاماك، لوري لوغان، ونيل كاشكاري) على لغة البنك المركزي التي لا تزال تلمح إلى "التيسير النقدي" أو خفض الفائدة، وهؤلاء المسؤولون أكدوا في بيانات رسمية أن الواقع يتطلب الوضوح بشأن احتمالية "رفع" الفائدة لا خفضها، نظراً لتصاعد المخاطر المحيطة بالأسعار.
لم تعد المشكلة تقتصر على برميل النفط فحسب، بل امتدت آثار الحرب الإيرانية لتشمل سلعاً استراتيجية تدخل في صلب الصناعات العالمية.
ارتفاع أسعار المنتجات
والنقص الحاد بدأ يطال مواد مثل الألومنيوم، الهيليوم، والأسمدة، مما أدى تلقائياً لارتفاع أسعارها عالمياً، وهذا الوضع وضع الشركات في مختلف القطاعات أمام اختبار صعب؛ حيث اضطرت لإعادة هيكلة سلاسل توريدها بالكامل، واللجوء لخيارات الشراء المبكر وتخزين المواد لتفادي توقف الإنتاج.
الأرقام الرسمية تدعم هذا القلق؛ فقد قفز مؤشر ضغط سلاسل التوريد العالمية الصادر عن فيدرالي نيويورك في أبريل إلى 1.82، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2022.
ووصف "جون ويليامز"، رئيس فيدرالي نيويورك، هذا الوضع بأنه يشبه إلى حد كبير الاختناقات الحادة التي أصابت الاقتصاد العالمي عام 2021 أثناء التعافي من الجائحة، مما يعني أن الضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات قد تستمر لفترة أطول مما كان مأمولاً.
هل يفقد الفيدرالي السيطرة؟
يراقب الاحتياطي الفيدرالي بحذر شديد ما يسمى بـ "توقعات التضخم" لدى الجمهور والمستثمرين، وتكمن الخطورة في أن هذه التوقعات قد تتحول إلى واقع ملموس؛ فإذا اعتقد الناس أن الأسعار ستواصل الارتفاع، سيقومون بتعديل سلوكهم الشرائي وطلب أجور أعلى، مما يخلق حلقة مفرغة من الغلاء المستمر.
ورغم أن بعض المسؤولين، مثل ويليامز وكاشكاري، حاولوا إظهار نوع من الارتياح لاستقرار التوقعات طويلة المدى عند مستوى 2%، إلا أن مؤشرات السوق أرسلت إشارات مغايرة تماماً، فقد سجل معدل "التعادل التضخمي" لعشر سنوات ارتفاعاً ملحوظاً ليصل إلى 2.5%، وهو أعلى مستوى له منذ أوائل عام 2023.
هذا الارتفاع يعكس تآكل ثقة المستثمرين في قدرة الفيدرالي على لجم الأسعار في ظل استمرار الحرب.
خطورة ارتفاع التضخم
ويحذر نائب رئيس الفيدرالي، فيليب جيفرسون، من أن بقاء التضخم فوق مستويات 2% لفترة طويلة سيعمل على "ترسيخه" في هيكل الاقتصاد، مما يجعل مهمة البنك المركزي مستقبلاً غاية في الصعوبة والتعقيد.














