تتحرك الصين بخطى حثيثة لاستغلال حالة الارتباك التي خلفتها السياسات الحمائية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ساعية إلى إعادة تشكيل خارطة التجارة الدولية بما يضمن تحصين اقتصادها، البالغ قيمته 19 تريليون دولار، ضد الضغوط المستقبلية لواشنطن.
وكشفت مراجعة أجرتها وكالة "رويترز" لعشرات الأوراق البحثية والمقابلات الدبلوماسية عن مخطط صيني طموح يهدف إلى دمج القاعدة الصناعية الضخمة للبلاد في كبرى التكتلات الاقتصادية العالمية، بدءًا من الاتحاد الأوروبي ودول الخليج وصولاً إلى اتفاقيات التجارة عبر المحيط الهادئ.
تحركات الصين لكسر العزلة الأمريكية
تسعى بكين من خلال هذه التحركات إلى تسريع وتيرة إنجاز نحو 20 اتفاقية تجارية كانت قيد التفاوض لسنوات، في محاولة لقلب الطاولة على الاستراتيجية الأمريكية، التي تحاول ربط اقتصادات العالم بها.
وتجلى هذا التوجه بوضوح في الاتفاق الأخير الذي أبرمته الصين مع كندا خلال زيارة رئيس الوزراء مارك كارني لبكين في يناير الماضي، والذي نص على خفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية، وهو ما اعتبره مراقبون أولى الخطوات العملية لكسر نفوذ واشنطن التجاري على جيرانها.
وبينما يستعد الرئيس ترامب لزيارة بكين في أبريل المقبل، يكثف الدبلوماسيون الصينيون جولاتهم العالمية لحث الشركاء التجاريين على التمسك بالتعددية والتجارة المفتوحة.
وبدأت الصين بالفعل في تنفيذ وعودها عبر إعفاء واردات 53 دولة أفريقية من الرسوم الجمركية، تزامنا مع عرض أنظمة جمركية مدعومة بالذكاء الاصطناعي على دول الجوار لتعزيز الربط الرقمي والبنية التحتية للتجارة، مما يجعل فكرة "فك الارتباط" الاقتصادي معها مكلفة للغاية وصعبة التنفيذ.
تحديات أمام التوسع التجاري الذي تسعى إليه الصين
تواجه هذه الطموحات عقبات هيكلية تتمثل في المخاوف الدولية من فائض الإنتاج الصيني وضعف الطلب المحلي، حيث يرى دبلوماسيون غربيون أن العروض الصينية قد تكون مجرد "دعاية" ما لم تتبعها إجراءات ملموسة لفتح الأسواق.
وتبرز قضية الفائض التجاري الذي بلغ 1.2 تريليون دولار كعائق أساسي، إذ تخشى دول مثل المكسيك وبعض أعضاء الاتحاد الأوروبي من أن يؤدي التقارب مع الصين إلى إغراق أسواقها بمنتجات منخفضة التكلفة تهدد صناعاتها الوطنية وتغضب الحليف الأمريكي.
ولكن المستشارين السياسيين في بكين، والذين يعتمدون على دراسات معمقة من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، يصرون على أن التغيير الهيكلي المؤلم هو ثمن مستحق مقابل السيادة التجارية طويلة الأمد.
ويرى هؤلاء الخبراء ضرورة استنساخ الأدوات الأمريكية في "تسييس" المؤسسات الدولية واستخدام مبادرات مثل "الحزام والطريق" لفرض معايير تقنية وفنية جديدة تمنح الصين ميزة "المحرك الأول" في مجالات التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي، مما يضمن لها موقع الصدارة في النظام العالمي الجديد.














