في 2026 عادت التسعينيات إلى الواجهة بقوة، واستعادت أزياؤها وموسيقاها وصورها حضورًا واسعًا في المشهد الثقافي. اللافت أن هذا الحنين لا يأتي من جيل عاش تلك السنوات كاملة، وإنما من شباب لم يعرفوها إلا عبر الصور والأغاني والأفلام.
فما الذي يجعل فترة مضى عليها أكثر من 25 عامًا تبدو جذابة إلى هذا الحد؟
يبدو أن الإجابة تتجاوز الملابس والموسيقى إلى صورة حياة سبقت الهواتف الذكية ووسائل التواصل والخوارزميات. كانت التقنية موجودة، لكنها لم تكن حاضرة في كل لحظة، وكانت العلاقات والتجارب تجري في مساحات أكثر مباشرة وأقل ارتباطًا بالشاشات.
زمن لا تلاحقك فيه الشاشات
يعيد معرض «التسعينيات، الفن والموضة» في متحف تيت بريتن بلندن هذا العقد إلى الواجهة، من خلال أكثر من 100 صورة ومنحوتة وقطعة أزياء. ويرصد المعرض مرحلة تشكلت فيها اتجاهات جديدة في الفن والموسيقى والموضة بعيدًا عن البيئة الرقمية التي تحيط بالحياة اليوم.
وتظهر جاذبية تلك السنوات أيضًا في غياب التوثيق المستمر. لم تكن كل لحظة قابلة للتصوير والنشر، ولم يكن الإنسان مطالبًا بتحويل حياته إلى مادة تعرض أمام الآخرين. لذلك تبدو التسعينيات في الذاكرة المعاصرة زمنًا أكثر خصوصية، يملك فيه الناس مساحة أوسع لخوض تجاربهم بعيدًا عن أعين الجمهور.ٍٍ
هذا الجانب يفسر جزءًا من كلام إدوارد إننفول، الذي ارتبط بتلك البيئة منذ عمله في مجلة i-D البريطانية. فقد أصبح عام 1991 أصغر مدير للموضة فيها، وكان في 18 من عمره. ويرى أن كثيرًا من الشباب ينجذبون إلى تلك المرحلة لأنها تبدو لهم آخر زمن لم تكن فيه الكاميرات تلاحق الناس في كل مكان.
حنين إلى علاقة مختلفة بالتقنية
إذا كان غياب الكاميرات يفسر جانبًا من الجاذبية، فإن طبيعة التقنية نفسها تقدم تفسيرًا آخر. يرى عالم النفس كلاي روتليدج، أن انجذاب الجيل z إلى التسعينيات يختلف عن الحنين المعتاد، لأن كثيرًا من أفراده لم يعيشوا تلك المرحلة أصلًا. وما يجذبهم، وفق روتليدج، ليس التخلي عن التقنية، وإنما الرغبة في علاقة أكثر توازنًا معها. ففي التسعينيات كان الحاسوب والإنترنت موجودين في الحياة اليومية، لكنهما لم يكونا يرافقان الإنسان طوال اليوم. كان الاتصال بالعالم متاحًا من دون أن يتحول إلى حضور دائم.
ومن هذه المسافة ظهرت تجارب إبداعية جديدة، خصوصًا في الموسيقى. أتاحت الحواسيب المنزلية لمنتجي الموسيقى صناعة أعمالهم من غرفهم، فيما وسّع الإنترنت والبريد الإلكتروني اتصال بريطانيا بالثقافات والأفكار القادمة من الخارج. وفي 1994 بدأ قطار يوروستار العمل بين لندن وأوروبا، ثم وصفت مجلة Newsweek لندن في 1996 بأنها «أروع مدينة على الكوكب». ومع هذا الانفتاح، وجد الفنانون والموسيقيون مساحات جديدة بعيدًا عن المؤسسات التقليدية.
كانت المستودعات الصناعية المهجورة في لندن ومانشستر من تلك المساحات، كما أقام بعض الفنانين في مبانٍ خالية من أصحابها. وأتاح ذلك لهم وقتًا أكبر للعمل وتطوير أفكارهم بعيدًا عن الضغوط اليومية.
حين يعيد السوق تدوير الماضي
الوقت الذي احتاجه ذلك الإبداع هو نفسه ما ترى الصحفية، دانا توماس، أنه أصبح أكثر ندرة في صناعة الأزياء. وتعتقد أن نقص الأفكار الأصلية يدفع المصممين إلى إعادة استخدام ما قدمته العقود السابقة، لأن الإبداع يحتاج وقتًا، بينما السوق يريد الجديد باستمرار. لهذا تعود ملامح بسيطة ارتبطت بالتسعينيات إلى الواجهة، ومنها أسلوب كارولين بيسيت كينيدي في اختيار ملابسها. وتصبح هذه الأنماط سهلة الاستعادة والتسويق، خصوصًا في صناعة تتحرك بسرعة وتحتاج إلى أفكار جاهزة لإعادة التقديم.
بهذا المعنى، لا تستعيد الأجيال الجديدة التسعينيات بوصفها عقدًا عاشته، وإنما بوصفها صورة لحياة أقل التصاقًا بالتقنية. وبينما تزداد الشاشات حضورًا في تفاصيل اليوم، تبدو تلك السنوات في الذاكرة زمنًا كان فيه للعالم خارجها وقت ومساحة أكبر.




