تثير السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مخاوف واسعة بسبب توجهه نحو سياسة «إحلال الواردات»، التي تهدف إلى حماية الصناعات المحلية عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات، وبينما يسعى هذا النهج إلى تحفيز النمو الصناعي وتعزيز الأمن الاقتصادي، فإنه يهدد بإحداث اضطرابات كبيرة في الأسواق العالمية، كما حدث في تجارب سابقة.
تقوم فلسفة ترامب الاقتصادية على فرض تعريفات جمركية صارمة، مثل فرضه رسومًا بنسبة 25% على واردات الصلب والألمنيوم، ما أدى إلى توتر تجاري مع شركاء الولايات المتحدة الرئيسيين.
ورغم أن هذه السياسة تبدو جديدة، فإنها مستوحاة من مبدأ «إحلال الواردات» الذي اعتمده ألكسندر هاملتون، أول وزير للخزانة الأمريكي، في أواخر القرن الثامن عشر، حين دعا إلى فرض ضرائب معتدلة لدعم الصناعات الناشئة وحمايتها من المنافسة الخارجية. غير أن هذا التوجه لطالما أثار جدلًا حول الفائزين والخاسرين منه، ومدى تأثيره على الاقتصاد الكلي.
كيف تؤثر سياسة إحلال الواردات على الاقتصاد الأمريكي؟
أدت قرارات ترامب بفرض التعريفات الجمركية إلى تصاعد النزاعات التجارية، حيث توعدت دول مثل الصين والاتحاد الأوروبي بإجراءات انتقامية، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي.
كما أن رفع تكاليف الاستيراد يؤثر على قطاعات واسعة داخل الولايات المتحدة، حيث تعتمد العديد من الصناعات على مواد خام مستوردة بأسعار منخفضة. وبالتالي، فإن المستهلكين الأمريكيين أنفسهم قد يدفعون ثمن هذه الإجراءات عبر ارتفاع الأسعار.
ويبرز الجدل حول جدوى هذه السياسة مع تزايد الاعتماد على الدين لتمويلها. فقد أظهرت تجارب دول أخرى، مثل اقتصادات أمريكا اللاتينية في الستينيات والسبعينيات، أن دعم الصناعات عبر القروض والاستدانة قد يؤدي إلى أزمة مالية حادة، كما حدث خلال «العقد المفقود» في الثمانينيات، عندما عانت هذه الدول من ركود عميق بسبب تفاقم الديون. ورغم أن الاقتصاد الأمريكي أكثر متانة، فإن ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يثير القلق بشأن استدامة هذه السياسة على المدى الطويل.
هل تعكس سياسات ترامب تجربة تاريخية أم خطأ اقتصادي؟
لطالما كانت سياسات الحماية الصناعية موضوعًا مثيرًا للجدل في التاريخ الأمريكي. فبينما رأى هاملتون ضرورة لحماية الصناعات الوليدة من المنافسة الأجنبية، حذر معارضوه من أن التعريفات المرتفعة ستضر بالقطاع الزراعي، الذي يعتمد على استيراد السلع المصنعة.
وتجدد هذا الانقسام في عهد ترامب، حيث أيدت بعض القطاعات فرض التعريفات لحماية العمالة المحلية، بينما انتقدته أخرى لخطورته على الأسعار والتجارة الدولية.
من جهة أخرى، أعادت تجربة أمريكا اللاتينية مع «إحلال الواردات» تسليط الضوء على المخاطر المحتملة. فرغم نجاحها الأولي في تحفيز التصنيع، أدى الاعتماد المفرط على القروض إلى انهيارات اقتصادية كارثية. ويخشى الاقتصاديون أن تكرار مثل هذه الأخطاء في الولايات المتحدة، خاصة إذا تراكمت الديون لدعم الصناعات المحلية، قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي.
ما التداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي؟
لم يسبق لأي دولة ذات وزن اقتصادي بحجم الولايات المتحدة أن تبنت سياسة «إحلال الواردات» بشكل كامل، مما يثير مخاوف بشأن تداعياتها على الاقتصاد العالمي.
ويرى العديد من الخبراء أن اتباع واشنطن لهذا النهج قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق الدولية، نظرًا لأن الولايات المتحدة تُعد أكبر مستورد في العالم. فإذا تسببت الرسوم الجمركية في تقليل حجم التجارة العالمية، فقد تدخل اقتصادات كبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي في حالة ركود، مما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تمويل هذه السياسات عبر الاقتراض الدولي قد يزيد من الضغوط على النظام المالي الأمريكي، خاصة مع الجدل الدائر حول نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى الرغم من أن واشنطن تمتلك أدوات مالية متطورة تمكنها من التعامل مع التحديات الاقتصادية، فإن زيادة الاعتماد على الحماية التجارية قد تعرقل النمو طويل الأمد، ما قد يدفعها إلى مراجعة سياساتها الاقتصادية لاحقًا.