في 26 أبريل 2026، أحيت أوكرانيا الذكرى الأربعين لانفجار المفاعل الرابع في تشيرنوبل، بينما يواجه الموقع تهديدًا جديدًا: مسيّرات الحرب. فقد ألحقت ضربة بالغطاء الفولاذي العملاق أضرارًا بمنظومة العزل والحماية، وأعادت فتح ملف تأمين المنشأة وتكلفة إصلاحها. ورغم عدم رصد ارتفاع إشعاعي عقب الهجوم، تضررت وظيفة الاحتواء التي صُمم الهيكل لأدائها، فيما لا تزال بقايا المفاعل بحاجة إلى سنوات من المعالجة والتفكيك.
مسيّرة تخترق الغطاء العملاق
في 14 فبراير 2025، أصابت مسيّرة روسية «القوس الآمن الجديد» فوق المفاعل المدمر، وأحدثت فتحة بنحو 15 م2، وأتلفت ألواحًا تغطي نحو 200 م2، وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
واشتعلت النيران داخل طبقات العزل، ووصلت إلى الغشاء المانع للتسرب. وواجهت فرق الإطفاء صعوبة في الوصول إلى بؤر الحريق داخل البنية متعددة الطبقات، بحسب «الغارديان». وبعد السيطرة عليه، أُغلقت الفتحة بلوحة كبيرة، لكن ذلك لم يُعِد إحكام الهيكل أو أنظمة التحكم في الهواء، كما تضررت منظومة الرافعات المستخدمة في التفكيك.
غطاء صُمم ليصمد مئة عام
أُنشئ القوس لعزل بقايا المفاعل الرابع، وحماية البيئة من تسرب المواد المشعة، وإتاحة تفكيك الغطاء الخرساني القديم، الذي بُني على عجل بعد كارثة 1986 وأصبحت أجزاء منه غير مستقرة.
ويبلغ عرض الهيكل الفولاذي 257 مترًا وارتفاعه 108 أمتار، ويزن أكثر من 36 ألف طن. وصُمم للعمل مئة عام على الأقل، بمعدات تتيح التفكيك عن بُعد لتقليل تعرض العاملين للإشعاع.
جُمّع القوس بعيدًا عن المفاعل، ثم نُقل فوقه عام 2016، وسُلّم رسميًا في 2019. وبحسب البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، تجاوزت تكلفته ملياري يورو، بمشاركة أكثر من 45 دولة في تمويله.
أكبر من ثقب في السقف
في 7 مارس 2025، أعلنت السلطات الأوكرانية انتهاء أعمال الإطفاء والانتقال من حالة الطوارئ إلى وضع تحت السيطرة. لكن تضرر وظيفة الاحتواء بقي قائمًا؛ فعدم رصد زيادة إشعاعية لا يعني أن الهيكل استعاد قدرته الوقائية.
وفي بيان لها بتاريخ 14 أبريل 2026، قالت محطة تشيرنوبل إن القوس فقد قدرته على الإحكام الكامل بعد الهجوم والإطفاء، بينما ظلت المنشأة القديمة تحته تؤدي وظائفها وفق الإجراءات المعتمدة.
وفي 24 أبريل، دعا البنك الأوروبي إلى تمويل إصلاحات عاجلة، مقدرًا الأضرار بما لا يقل عن 500 مليون يورو، ومحذرًا من أن التأخير قد يزيد تآكل الهيكل وتدهور سلامته. فالأنظمة المصممة لضمان عمره التشغيلي لم تعد تعمل جميعها.
وبحلول سبتمبر 2026، وقعت المحطة وائتلاف «نوفاركا 2» عقد المرحلة الأولى من الأعمال الهندسية للإصلاح والاستعادة. وفي 15 أكتوبر، أعلنت مجموعة السبع تقديم 260 مليون يورو إضافية لإعادة التأهيل، ودعت شركاء آخرين إلى المساهمة. ويستهدف البرنامج استعادة وظائف القوس كاملة بحلول 2030، بتنسيق البنك مع الحكومة الأوكرانية وإدارة المحطة والمانحين.
تفكيك المفاعل
لم تكن مهمة تشيرنوبل قد انتهت قبل الضربة؛ فالغطاء القديم لا يزال يحتوي على بقايا الوقود ومواد شديدة النشاط الإشعاعي. وتشمل الأعمال تثبيت المنشآت غير المستقرة، وتفكيك أجزاء من الغطاء، وجمع المواد المشعة وتخزينها في مرافق مخصصة.
ولهذا جُهز القوس برافعات ومعدات تشغيل عن بُعد. وأصبحت استعادة هذه الأنظمة شرطًا لتنفيذ المراحل التالية بأمان، بعدما أضاف تضررها عقبات إلى عملية فنية معقدة تتطلب مراقبة مستمرة وقرارات دقيقة.
منطقة الاستبعاد
منذ االحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، دخلت المنطقة المحيطة بالمحطة نطاق العمليات العسكرية، وشهدت سيطرة روسية قبل انسحاب القوات. وباتت المسيّرات والصواريخ تهدد المنشآت النووية ومرافق النفايات والوقود المستهلك، بينما قد تنقل حرائق الغابات الملوثة مواد مشعة إلى الهواء.
وبحسب «واشنطن بوست»، تراعي فرق الدفاع الجوي مواقع المنشآت الحساسة عند اعتراض الأهداف. وفي ذكرى الكارثة، حذرت كييف من مرور مسيّرات قرب المحطة ومن مخاطر تكرار حادث نووي.
وبعد أربعين عامًا، لا يزال تشيرنوبل يحتاج إلى إدارة مستمرة للمخاطر. وأظهرت الضربة أن حماية الموقع لعقود لا تعتمد على الهندسة وحدها، بل على ما يجري خارج أسواره أيضًا.




