في صباح 28 أبريل 1986، أطلق جهاز قياس الإشعاع في محطة فورسمارك النووية بالسويد إنذارًا عند مرور أحد العاملين عبر بوابة الفحص. لم يكن العامل قد دخل المنطقة الخاضعة للرقابة داخل المحطة، لكن حذاءه حمل مواد مشعة أثارت شكوك فريق الحماية الإشعاعية. وبعد ساعات من الفحص، اتضح أن مصدر التلوث لا يوجد داخل فورسمارك، بل وصل إليها من خارج الحدود.

كان ذلك أول دليل علني قاد إلى كشف كارثة تشيرنوبل، التي وقع انفجار مفاعلها الرابع فجر 26 أبريل، قبل أن يعلن الاتحاد السوفييتي وقوع الحادث. وتوضح قصة فورسمارك كيف يمكن لأجهزة الرصد وتحليل النظائر المشعة وبيانات الطقس أن تساعد دولة في تتبع تلوث نووي مصدره دولة أخرى، حتى في غياب معلومات من الجهة التي وقع فيها الحادث.

إنذار بدأ حذاء

كان الكيميائي كليف روبنسون يعمل في محطة فورسمارك عندما أطلق جهاز قياس الإشعاع الإنذار أثناء مروره عبر بوابة الفحص. وبحسب شهادته التي نقلتها إذاعة السويد، استغرب روبنسون النتيجة لأنه لم يكن قد دخل المنطقة الخاضعة للرقابة، وأعاد المرور عبر الجهاز أكثر من مرة قبل أن يتأكد أن الأمر لا يتعلق بعطل عابر.

ومع تكرار الإنذارات عند مرور عاملين آخرين، أخذ روبنسون حذاء أحدهم إلى المختبر وفحصه باستخدام كاشف الجرمانيوم، وهو جهاز يحلل الإشعاع الصادر عن العينة ويساعد في تحديد النظائر المشعة الموجودة فيها. وأظهرت نتيجة الفحص وجود تلوث إشعاعي، كما ظهرت عناصر مشعة لم تكن معتادة في مياه تبريد المحطة.

طلب المسؤولون من روبنسون فحص مداخن فورسمارك للتأكد من احتمال صدور التلوث منها، لكن الفحوص لم تظهر خللًا داخل المحطة، بينما كانت المواد المشعة موجودة في محيطها. وأُخلي العاملون الذين لم تكن هناك ضرورة مباشرة لوجودهم لضمان التشغيل الآمن للمفاعلات، وفقًا لـ"هيئة المسح الجيولوجي السويدية".

كيف عرفوا أن المصدر خارج السويد؟

لم يكن اكتشاف مواد مشعة على أحذية العاملين كافيًا لتحديد مكان انبعاثها. وكانت الخطوة التالية معرفة ما إذا كان التلوث محصورًا في فورسمارك أم وصل إلى مناطق أخرى. أظهرت القياسات ارتفاع مستويات الإشعاع في أجزاء أخرى من السويد، كما وردت قراءات مماثلة من السلطات الفنلندية. وعندما تكرر رصد المواد المشعة خارج المحطة، تراجع احتمال أن تكون فورسمارك مصدرها، واتجه التحقيق إلى البحث عن مصدر خارجي.

ساعدت هذه القياسات، إلى جانب تحليل طبيعة المواد المشعة والبيانات الجوية، في تضييق نطاق البحث. وأجرت هيئة الأرصاد الجوية السويدية حسابات لحركة الكتل الهوائية خلال الأيام السابقة، لتقدير المناطق التي مرت بها الرياح قبل وصول المواد المشعة إلى السويد.

وبحسب "هيئة المسح الجيولوجي السويدية"، أشارت الحسابات إلى احتمال أن يكون المصدر إحدى محطتي إغنالينا أو تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي السابق. وفي مساء 28 أبريل، أكد الاتحاد السوفييتي وقوع انفجارات في محطة تشيرنوبل خلال ليلة 25 إلى 26 أبريل.

وكانت موسكو قد تلقت استفسارات سويدية بشأن احتمال وقوع حادث نووي، وقدمت في البداية ردًا بالنفي. لكن السويد أبلغت الجانب السوفييتي بأنها ستتقدم بإخطار رسمي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قبل أن يعترف الاتحاد السوفييتي بوقوع الحادث، وفقًا لرواية إذاعة السويد.

بصمة النظائر المشعة

يعتمد تتبع التلوث الإشعاعي على أكثر من قياس مستوى الإشعاع. فالأجهزة تستطيع رصد وجود مواد مشعة، لكن تحليل العينة يتيح تحديد النظائر الموجودة فيها، وهي خطوة تساعد على معرفة طبيعة المادة ومقارنتها بمصادر محتملة.

تجمع محطات رصد النويدات المشعة عينات من الهواء، تشمل جسيمات عالقة وغازات نبيلة، ثم تحللها لتحديد المواد المشعة الموجودة وتركيزاتها. وتختلف النظائر بحسب العمليات النووية التي أنتجتها، لذلك يمكن أن تساعد تركيبتها في التمييز بين مصادر محتملة، مثل مفاعل نووي أو انفجار نووي أو استخدامات مدنية للمواد المشعة.

شبكة دولية لرصد المواد المشعة

تطورت تقنيات الرصد منذ حادث تشيرنوبل، وأصبحت جزءًا من منظومة دولية تضم محطات موزعة حول العالم ومختبرات متخصصة. وتدير منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية شبكة تضم 80 محطة لرصد النويدات المشعة، تدعمها 16 مختبرًا لتحليل العينات وإجراء فحوص إضافية عند الحاجة.

تجمع المحطات عينات الهواء وترسل نتائج القياس إلى مركز البيانات الدولي التابع للمنظمة، حيث تخضع للتحليل. وعند ظهور مؤشرات تستدعي مزيدًا من الفحص، يمكن الاستعانة بالمختبرات المتخصصة لتحليل العينات بصورة أعمق.

وتستهدف هذه المنظومة التحقق من الالتزام بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، لكنها ترصد أيضًا مواد مشعة قد تنتج عن مصادر أخرى، من بينها المفاعلات النووية والأنشطة المدنية. ولهذا لا يعني العثور على نظير مشع في عينة هواء، بمفرده، وقوع تجربة نووية أو حادث في مفاعل؛ إذ يتطلب تفسير النتيجة معرفة نوع النظير وتركيزه وسياق القياس ومسار انتقاله.

كيف تراقب السعودية؟

في السعودية، تعمل الشبكة الوطنية للرصد الإشعاعي البيئي المستمر والإنذار المبكر التابعة لهيئة الرقابة النووية والإشعاعية في 400 موقع بمناطق المملكة. وتقيس محطات الشبكة مستويات الجرعات الإشعاعية بصورة مستمرة، وتصدر إنذارات عند رصد قراءات غير اعتيادية، وترتبط بمركز عمليات الطوارئ النووية والإشعاعية التابع للهيئة، بحسب البيانات المنشورة على موقع الهيئة.

وترتبط الشبكة كذلك بالنظام الدولي لمعلومات مراقبة الإشعاعات (IRMIS) التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يعتمد على بيانات شبكات الإنذار المبكر الوطنية للدول الأطراف في اتفاقية التبليغ المبكر عن الحوادث النووية أو الإشعاعية. ويساعد تبادل هذه البيانات في دعم التنسيق وتوفير المعلومات للدول التي يقع فيها حادث، وكذلك الدول المجاورة لها.

وتتيح هذه المنظومة متابعة القراءات الإشعاعية في المواقع المختلفة، ورصد أي تغير غير اعتيادي، وإحالة الإنذارات إلى مركز الطوارئ المختص. ويأتي ارتباطها بالنظام الدولي ضمن تبادل البيانات بين شبكات الرصد الوطنية، بما يدعم الاستعداد والاستجابة للحوادث العابرة للحدود.