يحتوي ماء المحيطات على نحو 35 ألف جزء في المليون من الأملاح، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وهي نسبة تجعل شربه مباشرة متعذرًا. ولتحويل هذه المياه إلى مصدر صالح للاستخدام البشري، تعتمد محطات التحلية على تقنيات تفصل الأملاح والمواد الذائبة عن الماء، ثم تعالج المياه الناتجة لضبط خصائصها قبل تخزينها وتوزيعها.
تُعرف هذه العملية باسم تحلية المياه، وهي من الحلول المستخدمة لتوفير إمدادات إضافية في المناطق التي تعاني محدودية الموارد المائية التقليدية. وتقوم فكرتها على فصل الماء عن الأملاح عبر مسارين رئيسيين: استخدام الحرارة والتبخير، أو تمرير المياه عبر أغشية تسمح بعبور جزيئات الماء وتحجز معظم الأملاح.
كيف تعمل محطات التحلية؟
تبدأ العملية بسحب مياه البحر إلى المحطة، ثم إخضاعها لمعالجة أولية لإزالة الشوائب والمواد العالقة التي قد تؤثر في كفاءة المعدات، خصوصًا الأغشية المستخدمة في بعض التقنيات.
بعد ذلك تنتقل المياه إلى وحدة الفصل، التي تعتمد على إحدى تقنيات التحلية الحرارية أو الغشائية، لينتج عن هذه المرحلة مساران: مياه منخفضة الملوحة، ومياه شديدة التركيز بالأملاح تُعرف بالمحلول الملحي أو الرجيع الملحي.
ولا تنتهي المعالجة بمجرد إزالة الأملاح؛ إذ تحتاج المياه المحلاة إلى معالجة لاحقة تشمل إعادة إضافة بعض المعادن وضبط خصائصها، إلى جانب التعقيم بالكلور لضمان ملاءمتها للشرب، قبل أن تُخزّن في خزانات مخصصة وتُضخ إلى شبكات التوزيع.
طريقتان للتحلية
1. التقطير الحراري
تعتمد هذه الطريقة على تسخين مياه البحر حتى يتبخر الماء، فيما تبقى معظم الأملاح والمواد غير المتطايرة في المياه المركزة، ثم يُبرّد البخار ويُكثّف ليعود إلى حالته السائلة ويُجمع بوصفه ماءً محلى.
ومن أبرز تقنياتها التقطير الومضي متعدد المراحل، والتقطير متعدد التأثيرات. ففي الأولى، تمر المياه الساخنة عبر سلسلة من الحجرات التي ينخفض فيها الضغط، ما يساعد على تبخر جزء منها في كل مرحلة. أما التقطير متعدد التأثيرات فيستفيد من تكثف البخار ونقل الحرارة لتبخير المياه في مراحل متتابعة، مع خفض درجات الحرارة والضغط تدريجيًا.
وتُستخدم هذه التقنيات لإنتاج كميات كبيرة من المياه، لكنها تتطلب طاقة حرارية إلى جانب الكهرباء اللازمة لتشغيل المضخات والمعدات. ويشير تقرير الهيئة السعودية للمياه إلى أن استهلاك الطاقة يختلف باختلاف التقنية وظروف التشغيل وتصميم المحطة.
2. التحلية بالأغشية: التناضح العكسي
تقوم هذه التقنية على دفع مياه البحر بضغط مرتفع عبر غشاء شبه منفذ، يسمح بمرور جزيئات الماء ويحتجز معظم الأملاح الذائبة والمواد الأخرى.
وتُسمى العملية «التناضح العكسي» لأنها تستخدم ضغطًا خارجيًا لعكس اتجاه الحركة الطبيعية للماء المرتبطة باختلاف تركيز الأملاح، وكلما ارتفعت ملوحة المياه، زاد الضغط المطلوب لتجاوز الضغط الأسموزي ودفع الماء عبر الغشاء.
أي التقنيتين الأكثر استخدامًا؟
أصبحت تقنية التناضح العكسي الأكثر انتشارًا على مستوى العالم، وفق دراسة نشرها إدوارد جونز وآخرون عام 2019 في مجلة Science of the Total Environment.
وقدّرت الدراسة وجود قرابة 16 ألف محطة تحلية عاملة في 177 دولة وإقليمًا، بطاقة إنتاجية إجمالية تقارب 95 مليون متر مكعب يوميًا. واستحوذ التناضح العكسي على نحو 69% من إجمالي إنتاج المياه المحلاة، واستُخدم في 84% من المحطات العاملة التي شملتها الدراسة.
في المقابل، أسهم التقطير الومضي متعدد المراحل بنحو 18% من الإنتاج، والتقطير متعدد التأثيرات بنحو 7%. وتعكس هذه الأرقام التحول الذي شهدته صناعة التحلية منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع توسع استخدام تقنيات الأغشية.
ويشير تقرير الهيئة السعودية للمياه إلى اتجاه قطاع التحلية في المملكة نحو التوسع في استخدام التناضح العكسي، نظرًا إلى كفاءته في استهلاك الطاقة مقارنة بالتقنيات الحرارية التقليدية.
تحدي ما بعد التحلية
رغم أهمية التحلية في توفير المياه، فإن العملية لا تنتج ماءً عذبًا وحده؛ إذ تخلّف محلولًا ملحيًا عالي التركيز يحتاج إلى إدارة ومعالجة قبل التخلص منه.
وقدّرت دراسة جونز إنتاج المحلول الملحي عالميًا بنحو 142 مليون متر مكعب يوميًا، أي أكثر من حجم المياه المحلاة المنتجة. وتتركز نسبة كبيرة من هذا الإنتاج في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ أشارت الدراسة إلى أن المنطقة مسؤولة عن نحو 70% من إجمالي المحلول الملحي عالميًا.
ويحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن تصريف هذه المخلفات في البحار دون معالجة مناسبة قد يضر بالنظم الساحلية والبحرية؛ فارتفاع الملوحة ودرجة الحرارة قد يخفض مستويات الأكسجين المذاب في المياه، بما يؤثر في الكائنات البحرية وسلاسلها الغذائية. كما قد تسهم بعض المواد المستخدمة في المعالجة الأولية، مثل مركبات النحاس والكلوريد، في الإضرار بالكائنات الموجودة في البيئة المستقبلة.




