في عام 1950، كانت خريطة المدن الكبرى تبدو مألوفة أكثر مما قد نتخيل. تصدرت طوكيو المشهد، ونافستها نيويورك ولندن وباريس وموسكو، فيما حضرت المدن الغربية بقوة في قائمة أكبر المدن، إلى جانب عدد من المدن الآسيوية التي احتلت مواقع متقدمة.
وبعد 150 عامًا، تبدو الصورة مختلفة تمامًا، إذ تتحرك مراكز الثقل السكاني نحو آسيا وأفريقيا، بينما تتراجع أسماء ارتبطت طويلًا بفكرة المدينة العملاقة. وفي المقابل، تصعد عواصم ومدن أخرى إلى الواجهة، مدفوعة بالنمو السكاني والتحضر وتغير معدلات المواليد.
وتكشف البيانات الممتدة بين عامي 1950 و2100 عن تحول واسع في توزيع سكان المدن الكبرى، وتبرز القاهرة بصورة خاصة، إذ يرتفع عدد سكانها من نحو 3.1 مليون شخص عام 1950 إلى نحو 36.7 مليونًا بحلول 2100، لتصبح أكبر مدينة خارج آسيا.
حين كانت المدن الغربية في قلب السباق
عام 1950، تصدرت طوكيو القائمة بنحو 12.6 مليون نسمة، وجاءت نيويورك بعدها بـ9.3 مليون نسمة، ثم أوساكا بـ8 ملايين، فيما سجلت لندن 7.9 مليون نسمة.
وضمت القائمة أيضًا كلكتا وموسكو وباريس وبوينس آيرس ولوس أنجلوس، وكان أكثر من نصف المدن الخمس عشرة الكبرى يقع في أوروبا أو الأمريكتين.
ومع مرور العقود، بدأ هذا التوازن يتغير سريعًا. فبحلول 1975، خرجت لندن من قائمة أكبر 15 مدينة، كما تراجعت باريس ولوس أنجلوس في الترتيب، بينما صعدت مدن أمريكا اللاتينية بقوة.
وبحلول عام 2000، تجاوزت ساو باولو ومكسيكو سيتي نيويورك من حيث عدد السكان، لتصبحا من أكبر مدن نصف الكرة الغربي.
آسيا تعيد رسم الخريطة
مع بداية الألفية الجديدة، أصبحت آسيا القوة الأبرز في قمة الترتيب السكاني. وحافظت طوكيو على الصدارة عام 2000، بعدما بلغ عدد سكانها 30.3 مليون نسمة، فيما صعدت جوانجتشو إلى المركز الثالث بـ19 مليون نسمة، ووصلت نيودلهي إلى المركز السادس بـ18 مليون نسمة.
ثم تسارعت هذه الموجة الآسيوية، ففي عام 2025 احتلت مدن آسيا 9 من المراكز العشرة الأولى. وكانت القاهرة الاستثناء الوحيد، بعدما بلغ عدد سكانها 25.6 مليون نسمة، لتحتل المركز السابع عالميًا.
وتصدرت جاكرتا القائمة بـ41.9 مليون نسمة، تلتها دكا بـ36.6 مليون نسمة، ثم طوكيو بـ33.4 مليون نسمة، فيما جاءت نيودلهي وشنغهاي وجوانجتشو في المراكز التالية.
ولا تعكس هذه الأرقام نمو مدن بعينها فحسب، وإنما تشير أيضًا إلى انتقال مركز الثقل السكاني العالمي نحو مناطق تشهد توسعًا حضريًا سريعًا.
صعود جديد وتراجع أسماء تاريخية
وتقدم التوقعات الخاصة بعام 2100 صورة أكثر جذرية. فمن المتوقع أن تتصدر دكا القائمة بـ55 مليون نسمة، تليها جاكرتا بـ49.7 مليون نسمة، ثم كراتشي بـ43.7 مليون نسمة.
وتحل القاهرة في المركز الرابع عالميًا بـ36.7 مليون نسمة، فيما تظهر في القائمة أيضًا لواندا ودار السلام ولاجوس، ما يمنح المدن الأفريقية حضورًا أكبر بكثير مما كان عليه قبل عقود.
وفي المقابل، تتراجع طوكيو إلى المركز التاسع بنحو 24.1 مليون نسمة، وسط توقعات بانخفاض عدد سكانها إلى ما دون مستواه في 1975، مع استمرار تأثير تراجع معدلات المواليد.
كيف جرت الحسبة؟
تعتمد المقارنة على تقديرات سكانية أعدها مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية، ونقلتها منصة «Our World in Data». كما حافظت الدراسة على تعريف متسق لحدود المدن، بالاستناد إلى صور الأقمار الصناعية وبيانات السكان.
ويكتسب هذا الأمر أهمية عند مقارنة المدن عبر فترات زمنية طويلة، إذ قد يؤثر تعريف حدود المدينة بصورة كبيرة في النتائج. لذلك اعتمدت البيانات إطارًا موحدًا عبر مختلف الفترات الزمنية.
وبينما تكشف هذه القائمة تحولًا يتجاوز المنافسة على صدارة المدن، إذ تقدم صورة عن حركة السكان نفسها والمناطق التي ستصبح أكثر جذبًا للسكان خلال العقود المقبلة، فإن السؤال الأهم ليس أي مدينة ستحتل المركز الأول، وإنما كيف ستستعد هذه المدن لعشرات الملايين من السكان. فكل ارتفاع في عدد السكان يعني مزيدًا من المنازل والطرق والمياه والطاقة والعمل، ومع انتقال مركز الثقل السكاني شرقًا وجنوبًا، تتغير معه خريطة المدن التي ستحدد شكل العالم المقبل.








