في المدار الأرضي المنخفض، تختصر قصة تلسكوبين فضائيين هذه الأيام لحظة تحول في تاريخ استكشاف الفضاء: «سويفت» ينتظر سقوطه واحتراقه في الغلاف الجوي خلال أيام بعد فشل مهمة إنقاذ غير مسبوقة في اللحاق به، وبينما يودّع العالم أحد أكثر تلسكوباته إنتاجًا، فتحت ناسا الباب أمام الشركات لتقديم أفكار لإنقاذ شقيقه الأشهر «هابل» قبل أن يلقى المصير نفسه.
لماذا تسقط الأقمار أصلًا؟
لا تسقط الأقمار الصناعية فجأة، بل تنهار مداراتها ببطء شديد. فكل قمر يدور في المدار الأرضي المنخفض يحتك ببقايا الغلاف الجوي المتناثرة في الفضاء، فيفقد من سرعته وارتفاعه تدريجيًا، وهو ما يعرف بالسحب الجوي.
ويزداد هذا التأثير مع نشاط الشمس، الذي يسخّن الطبقات العليا من الغلاف الجوي فتتمدد وتزداد كثافة عند ارتفاعات المدارات المنخفضة.
أما القمر الذي لا يملك محركات تدفعه إلى الأعلى بين حين وآخر، فسقوطه مسألة وقت لا أكثر.
عشرون عامًا في مطاردة أعنف انفجارات الكون
أُطلق تلسكوب «نيل جيريلز سويفت» في نوفمبر 2004 لدراسة انفجارات أشعة جاما، وهي أعنف الانفجارات المعروفة في الكون، إضافة إلى رصد الثقوب السوداء والمذنبات وبقايا النجوم المنفجرة.
صُمم التلسكوب ليعمل عامين فقط، لكنه واصل العمل أكثر من عشرين عامًا، رصد خلالها أكثر من ألفي انفجار لأشعة جاما، وأكثر من 1400 انفجار مستعر أعظم، وأسهمت بياناته في نحو سبعة آلاف ورقة علمية منشورة.
لكن سويفت لا يملك محركات قادرة على مقاومة السحب الجوي، ومع تصاعد النشاط الشمسي في الفترة الأخيرة بدأ يهبط بسرعة مقلقة.
مهمة إنقاذ غير مسبوقة
في سبتمبر 2025، منحت ناسا عقدًا بقيمة ثلاثين مليون دولار لشركة «كاتاليست سبيس تكنولوجيز» الناشئة في ولاية أريزونا، وحددت لها تسعة أشهر فقط لبناء مركبة تلحق بسويفت وتلتقطه وتدفعه إلى مدار أعلى يطيل عمره.
بنت الشركة مركبة بحجم ثلاجة أطلقت عليها اسم «لينك»، مزودة بثلاث أذرع روبوتية، وأطلقتها في الثالث من يوليو 2026. كانت المهمة بلا سابقة: لم يسبق لمركبة خاصة أن التقطت قمرًا غير مصمم للصيانة في المدار ورفعته، وكانت ناسا والشركة تؤكدان منذ البداية أن النجاح غير مضمون.
بعد نحو ثلاثة أسابيع من الإطلاق، أصابت «لينك» مشكلات في نظام الدفع وفي عجلات رد الفعل التي تحافظ على توجيهها، فدخلت في دوران غير متوقع.
ومع ذلك، نجحت المركبة في الاقتراب حتى مسافة تتراوح بين عشرة وخمسة عشر كيلومترًا من التلسكوب والتقاط صور له، قبل أن يقرر الفريق الأرضي عدم المخاطرة بالاقتراب أكثر، لتنتهي مهمة الإنقاذ في أغسطس دون محاولة دفع واحدة.
بعد فشل الإنقاذ، عاد سويفت إلى رصد أهدافه العلمية، لكن العودة إلى العمل زادت من مقاومة الغلاف الجوي له. وفي 20 أكتوبر بلغ ارتفاعه 275 كيلومترًا فقط، وعجز عن تعويض آثار السحب فدخل في وضع الأمان، فأرسل فريق العمليات في جامعة ولاية بنسلفانيا الأمر الذي أنهى عملياته رسميًا استعدادًا للسقوط.
وفي 23 أكتوبر أعلنت ناسا انتهاء المهمة. أما قوة الفضاء الأمريكية فتتوقع أن يسقط التلسكوب في غضون أيام.
يزن سويفت نحو طن ونصف الطن، ومن المتوقع أن يحترق معظمه أثناء اختراق الغلاف الجوي، لكن بضع قطع مصنوعة من التنغستن، وهو معدن أكثر كثافة من الرصاص، وبعض أجزاء المرايا قد تنجو من الاحتراق وتصل إلى سطح الأرض.
والأرجح أن يسقط أي حطام في المحيط، وإن كان مسار السقوط يمر فوق مناطق من أفريقيا وأستراليا والهند وجنوب شرق آسيا وأمريكا الوسطى.
هابل ينتظر منقذًا
على ارتفاع يقارب 470 كيلومترًا، يدور تلسكوب هابل حول الأرض منذ 36 عامًا. آخر مرة رُفع فيها مداره كانت عام 2002، حين زاره مكوك الفضاء كولومبيا في مهمة صيانة وكان على ارتفاع 583 كيلومترًا. أما مهمة الصيانة الأخيرة للمكوك عام 2009 فلم ترفع مداره، ومنذ تقاعد أسطول المكوك عام 2011 وهابل يفقد ارتفاعه بلا وسيلة لتعويضه، لأنه مثل سويفت لا يملك محركًا دافعًا.
ودون تدخل، يتوقع الخبراء أن يسقط هابل عام 2033 أو 2034، مع الإشارة إلى أن توقعات السقوط تتغير تبعًا لنشاط الشمس.
يوم الخميس الماضي، أصدرت ناسا «طلب معلومات» تسأل فيه الشركات التجارية عن قدراتها الحالية والقريبة على التقاط هابل ورفعه إلى ارتفاع 600 كيلومتر على الأقل، أو تحسين أدائه، أو توجيهه إلى عودة متحكم بها إلى الغلاف الجوي.
واشترطت الوكالة ألا تلحق أي مهمة ضررًا بالتلسكوب، وأن تُنفذ بحلول عام 2032، على أن تتولى الشركة المنفذة توفير الصاروخ ومركبة الصيانة وإدارة العمليات وأي طاقم إن لزم.
ليست هذه المحاولة الأولى. ففي عام 2022 اقترح الملياردير جاريد إيزاكمان مهمة صيانة لهابل بطاقم على متن مركبة دراجون التابعة لسبيس إكس يمول معظمها من ماله الخاص، وتلقت ناسا حينها ثمانية ردود على طلب أفكار مماثل، بينها مقترح روبوتي مشترك من شركتي أستروسكيل ومومنتوس. لكن الوكالة أعلنت عام 2024 أنها لن تمضي في أي منها، واصفة المقترحات بأنها لم تتجاوز كونها تصورات أولية.
الصورة اليوم مختلفة. فإيزاكمان نفسه أصبح مديرًا لناسا، وصناعة صيانة الأقمار في المدار نضجت: أطلقت نورثروب غرومان هذا العام أحدث قمر صيانة روبوتي في العالم بالشراكة مع وكالة داربا البحثية الدفاعية، ولدى شركتي أستروسكيل وستارفيش سبيس عقود لتجارب الصيانة والتزود بالوقود في المدار مع قوة الفضاء وناسا.
لماذا يستحق هابل كل هذا العناء؟
لأن التلسكوبات الأحدث ليست بديلًا مباشرًا عنه. هابل يرصد الكون بالضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية، بينما يعمل «ويب» و«رومان» في الأشعة تحت الحمراء، ولن يظهر خليفة لقدرات هابل البصرية قبل «مرصد العوالم الصالحة للسكن» المتوقع في أربعينيات القرن الحالي. أي أن سقوطه دون إنقاذ يعني فجوة رصدية طويلة.
بين سقوط سويفت الوشيك ومعركة إنقاذ هابل، ينتقل عصر الفضاء تدريجيًا من منطق «ابنِ وأطلق ثم استبدل» إلى منطق «اصلح ومدّد العمر في المدار». وسواء نجحت الشركات في اللحاق بهابل أم لا، فإن ما يجري هذه الأيام يرسم ملامح صناعة وليدة ستصبح جزءًا أساسيًا من مستقبل الفضاء: خدمات الإنقاذ والصيانة المدارية.




