لجموح مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي عدو رئيسي واحد لا يرحم: الحرارة. فالخوادم التي تعمل بكثافة عالية تولّد حرارة هائلة، وتستهلك أنظمة التبريد التقليدية حصة كبرى من طاقة ونفقات المركز.
هذا التحدي البيئي والاقتصادي دفع كبرى الشركات العالمية إلى سباق هندسي نحو بيئات ومواقع غير تقليدية، لتأمين التبريد الطبيعي وخفض التكاليف التشغيلية.
تُعد تجربة مشروع "ناتيك" من شركة Microsoft واحدة من أغرب التجارب وأكثرها توثيقًا في مواجهة كلفة التبريد؛ ففي عام 2018، أنزلت الشركة مركز بيانات بحجم حاوية شحن يضم 864 خادمًا على عمق 117 قدمًا قبالة جزر أوركني الاسكتلندية، وتركته يعمل هناك لعامين كاملين حتى استخراجه في صيف 2020.
وأكد بن كاتلر، مدير المشروع في Microsoft، وزميله سبنسر فاورز، أن النتائج تجاوزت التوقعات؛ إذ انخفض معدل أعطال الخوادم الغارقة تحت الماء إلى الثُّمن مقارنة بالمعدل المسجل على اليابسة، بفضل التبريد الطبيعي المستمر بمياه البحر، وعزل الحاوية بغاز النيتروجين الجاف مع غياب الاهتزازات البشرية. ورغم أن التجربة نجحت علميًا وقدمت مساهمات في أبحاث كوفيد-19 عبر نظام Folding at Home دون هدر للمياه العذبة، إلا أنها ظلت مشروعًا بحثيًا أثبت المفهوم ولم تتحول بعد إلى منتج تجاري واسع النطاق.
ولم تتوقف ابتكارات الموقع عند قاع المحيط، بل امتدت لباطن الأرض والمنشآت المعاد تدويرها؛ حيث استُخدمت المناجم والكهوف لثبات حرارتها وأمنها، مثل منجم Lefdal بالنرويج، ومجمع Iron Mountain في بنسلفانيا المقام في مقلع حجر جيري يعتمد على بحيرة مائية تحت الأرض.
وفي جبال الألب الإيطالية، بدأ إنشاء مشروع Intacture بقدرة 5 ميجاواط داخل منجم "سان روميديو" النشط، يوفر أكثر من 25% من الطاقة مقارنة بالمتوسط الأوروبي، ويقلل استهلاك الأراضي بنسبة تتجاوز 80%. كما شملت التجارب تحويل ملاجئ نووية سابقة ومخازن ذخيرة للناتو إلى مراكز بيانات مبردة بمياه الفيوردات الباردة، بل وتمتد التطبيقات الأوروبية لشركات مثل Stimergy إلى تدوير حرارة الخوادم لتسخين مياه المسابح العامة وتدفئة المنازل المجاورة.
من التبريد بالسائل إلى طموح أوكساجون
لكن التبريد لا يستهلك كهرباء فقط؛ بل يستهلك ماءً أيضًا بشكل متزايد، وهو ما ينقل التحدي إلى المناطق الجافة وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث تتجاوز درجات الحرارة الصيفية 45 درجة مئوية. ووفقًا لخافيير ألفاريز، المدير التنفيذي الأول للتقنية والإعلام والاتصالات في شركة FTI Consulting، فإن مراكز البيانات بالمنطقة تضغط على الموارد المائية الشحيحة، مشيرًا إلى أن هذه المراكز استهلكت 15 مليار لتر من المياه في السعودية وحدها خلال عام 2024. كما تُظهر الأبحاث الأولية التي نقلتها الشركة أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات تصحيحية، قد يرتفع الاستهلاك بالسعودية إلى 87.52 مليار لتر—ما يعادل نحو 35 ألف مسبح أولمبي، أو 4% من إجمالي الإنتاج المائي الحالي للبلاد المستند أساسًا على التحلية، وهو ما يمنح ملف المياه بُعدًا استراتيجيًا واقتصاديًا حاسمًا.
أمام الطفرة المرتقبة لتضاعف سعة مراكز البيانات في الخليج ثلاثة أضعاف بحلول 2030 لتقفز من 1 جيجاواط إلى 3.3 جيجاواط، تبرز حلول تقنية وميدانية للحد من استنزاف المياه العذبة، وفي مقدمتها تقنية التبريد بالسائل التي تُضخ مباشرة إلى الشريحة؛ حيث تشارك في تطويرها وتطبيقاتها شركات مثل Schneider Electric وVertiv، بينما تؤكد FTI Consulting أن هذه التقنية تخفض استخدام المياه بنسبة تصل إلى 92% وتوفر حتى 40% من استهلاك الطاقة. بالتوازي مع ذلك، تدرس شركات عالمية مثل Google استخدام مياه البحر لمركزها المخطط بالدمام، مستفيدة من التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة بالمنطقة لتشغيل التبريد بأقل بصمة بيئية.
وتقدم المملكة العربية السعودية نسختها الأطمح في هذا المجال من خلال الإعلانات الضخمة التي شهدها مؤتمر "LEAP 2025"، وعلى رأسها مشروع شركة DataVolt بالتعاون مع NEOM لإنشاء أول مركز بيانات مستدام بالكامل للذكاء الاصطناعي باستثمار 5 مليارات دولار وبسعة مستهدفة تبلغ 1.5 جيجاواط في مدينة "أوكساجون". وتجدر الإشارة إلى أن مشروع أوكساجون هو خطة استثمارية مستقبلية معلنة قيد التخطيط والتنفيذ وليست منشأة قائمة حاليًا، ليقف جنبًا إلى جنب مع استثمارات معلنة أخرى لشركات مثل Alfanar بـ 1.4 مليار دولار وMobily بـ 911 مليون دولار وZoom بـ 75 مليون دولار، في مشهد يهدف لترجمة التحديات المناخية إلى نموذج هندسي يوازن بين واقع التشغيل الفعلي وخطط المستقبل.




