يشهد قطاع التكنولوجيا المعاصر تحولاً جذريًا تقوده رؤية جديدة لبعض رواد هذا المجال تهدف إلى تقليص الوقت الذي يقضيه المستخدمون في التحديق في الهواتف الذكية.
ويثير هذا التوجه تساؤلاً جوهريًا حول ما إذا كان يمثل حلاً حقيقيًا لأزمة "وقت الشاشة" المتفاقمة أم أنه مجرد خطوة نحو واقع مرير (ديستوبيا) بنسخة جديدة.
بدائل ذكية
وتشير تقارير صحفية إلى أن شركة "آبل" تستعد لإطلاق سماعات "AirPods" مزودة بكاميرات مدمجة بحلول العام المقبل؛ وتكمن الغاية من هذه الكاميرات في تزويد المساعد الافتراضي "Siri" بمعلومات حية عن البيئة المحيطة بالمستخدم.
الأمر الذي يتيح أساليب تفاعل مبتكرة مع الأجهزة دون الحاجة للنظر إليها، وهو ما يمثل جزءًا من توجه أوسع يسعى للتخلي عن الشاشات التي هيمنت على علاقتنا بالحواسب طوال الـ60 عامًا الماضية.
بالتوازي مع ذلك، تعكف كبرى الشركات التقنية على تطوير منظومة متكاملة من الأجهزة القابلة للارتداء، مثل النظارات الذكية وقلادات الذكاء الاصطناعي، بهدف تقليل الاعتماد على الشاشات التقليدية.
وتطرح هذه الرؤية احتمالين؛ إما الوصول إلى علاقة أكثر إنسانية ومرونة مع التكنولوجيا اليومية أو التأسيس لمستقبل تقتحم فيه التقنية مساحات أعمق من الخصوصية.
وقبل تحقيق هذه الطفرة، يظل السؤال المحوري معلقًا حول مدى رغبة المستخدمين الفصيلية في تبني هذا النمط.
وفي إطار التنافس، كشفت شركة "Snap" مؤخرًا عن نظارتها الذكية الجديدة "Specs" المدعومة بالذكاء الاصطناعي بسعر باهظ يتجاوز 2000 دولار.
ورغم الانتقادات التي طالت حجمها ووزنها مقارنة بالمنافسين، وفترة عدم الارتياح التي صاحبت ظهور رئيسها التنفيذي بها، إلا أنها توفر ميزة فريدة تتيح استخدامها بشكل مستقل تمامًا عن الهواتف الذكية.
وتقوم الفكرة هنا على دمج شاشة مؤقتة في العدسات تعرض البيانات فوق العالم الحقيقي دون حجب مجال الرؤية تمامًا، مما يمثل بداية حقبة حاسوبية جديدة ترفع عن كاهل المستخدمين قيود الانحناء والتحديق المستمر.
أزمة الخصوصية
من جهة أخرى، يشهد سوق الأجهزة القابلة للارتداء انتعاشًا ملحوظًا تقوده نظارات ميتا الذكية التي حققت مبيعات قياسية، إلا أن هذه التقنيات فتحت الباب لمخاوف أمنية بالغة التعقيد تتعلق بالخصوصية؛ إذ يستغل البعض الكاميرات المدمجة لتصوير الغرباء سرًا، في ظل عدم كفاية المؤشرات الضوئية التنبيهية الحالية.
وتدرس "Meta" حاليًا إنتاج نظارات تعتمد على الصوت فقط لتفادي هذه الأزمة، في حين يرى الخبراء أن "آبل" قد تكون الأقدر على تجاوز هذا الحقل الملغوم نظرًا لتركيزها التسويقي على الخصوصية، حيث يمكنها معالجة البيانات البصرية محليًا على الهاتف دون رفعها إلى السحابة.
وإذا ما تم تدوير زوايا الخصوصية جانبًا، فإن هذا العالم الجديد يحمل شقين؛ أحدهما إيجابي يسمح للمستخدم بالتفاعل مع محيطه المادي بسلاسة كاستبيان تفاصيل المكونات الغذائية أو تلقي اتجاهات الملاحة الفورية عبر إيماءات اليد وبدون لمس أي سطح زجاجي.
ويعزز هذا التوجه دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تتيح مخاطبة الحاسب كشخص يدير المهام نيابة عنك، وهو ما بدأت "آبل" في تطبيقه تدريجيًا.
الوجه القاتم للتكنولوجيا
أما الوجه الآخر والأكثر قتامة، فينطلق من حقيقة أن قطاع التكنولوجيا مستثمر بكثافة في الشاشات وتعتمد أرباحه عليها بشكل رئيسي.
لذا، قد لا يؤدي انتشار الأجهزة اللامسية إلى التخلص من الشاشات، بل سيصبح مجرد وسيلة إضافية لزيادة وتيرة استهلاك التكنولوجيا، بحيث يتابع المستخدم شاشته التقليدية في أوقات فراغه ويستعين بالتقنيات الصوتية والبصرية الجديدة أثناء السير والحركة.
ويرى المحللون أن الهاتف الذكي سيبقى جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع، لكن التوجه الراهن يعكس رغبة مشتركة بين صناع القرار والمستهلكين لرفع الرؤوس عاليًا والتحرر من أسر الشاشات.














