لم يقتصر التحقيق في شبهات فساد تحيط بمسؤول أمني سابق للمنتخب الفرنسي لكرة القدم على العلاقات المالية التي جمعته بعدد من نجوم اللعبة، بل امتد إلى فايزة العماري، والدة النجم الفرنسي كيليان مبابي ومديرة شؤونه، التي استمع إليها قضاة التحقيق في باريس، قبل منحها صفة «الشاهد المساعد» بدلاً من توجيه اتهام رسمي إليها.

وتتركز القضية على محمد سنهاجي، المسؤول الأمني السابق الذي ارتبط بالمنتخب الفرنسي لسنوات، ويشتبه المحققون في أنه استغل علاقاته مع لاعبين وشخصيات عامة للحصول على أموال ومزايا شخصية، في وقائع تخضع للتحقيق لتحديد ما إذا كانت تنطوي على مخالفات جنائية.

ويثير ورود اسم والدة مبابي تساؤلات بشأن طبيعة علاقتها بسنهاجي، والخدمات التي يُشتبه في أنه قدمها لها، وما إذا كانت التحقيقات ستكشف عن وقائع جديدة قد تغير وضعها القانوني.

ما القضية التي تحقق فيها السلطات الفرنسية؟

تدور التحقيقات حول طبيعة العلاقات التي أقامها سنهاجي مع عدد من لاعبي كرة القدم وشخصيات معروفة، خلال فترة عمله المرتبطة بالمنتخب الفرنسي.

وبحسب تقارير صحفية فرنسية، يشتبه المحققون في حصوله على أموال وقروض ومزايا من بعض الأشخاص الذين عرفهم عبر عمله، فيما يسعون إلى تحديد ما إذا كانت تلك المعاملات ذات طبيعة شخصية مشروعة، أم ارتبطت بخدمات خاصة أو باستغلال موقعه الوظيفي وعلاقاته المهنية.

وتشير التقارير إلى أن الأموال والمزايا التي حصل عليها سنهاجي خلال الفترة بين عامي 2020 و2024 قد تجاوزت 300 ألف يورو، بينما تناولت التحقيقات قروضاً مالية وعلاقات مع عدد من اللاعبين والشخصيات العامة.

ولا تعني هذه المعاملات، في حد ذاتها، ثبوت ارتكاب جريمة؛ إذ يتعين على المحققين تحديد طبيعة كل معاملة، والظروف التي تمت فيها، وما إذا كان هناك مقابل غير مشروع للخدمات التي قدمها المسؤول السابق.

ووُضع سنهاجي قيد التحقيق الرسمي في سبتمبر/أيلول 2026، في إطار شبهات تشمل الفساد ومخالفات أخرى، وفقاً لما أوردته وسائل إعلام فرنسية.

لماذا استُدعيت فايزة العماري؟

استمع ثلاثة قضاة تحقيق إلى فايزة العماري في باريس في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بحسب تقارير صحفية فرنسية.

وتناول أحد محاور التحقيق طلبات مرتبطة بالحصول على أربع تأشيرات دخول، يُشتبه في أن العماري طلبت من سنهاجي التدخل للمساعدة في إنجازها.

ويحاول التحقيق تحديد طبيعة هذه الطلبات، وما إذا كان سنهاجي قد استخدم علاقاته أو موقعه السابق لتقديم خدمات خارج نطاق مهامه الرسمية، فضلاً عن الظروف المحيطة بتلك التدخلات.

ولا تتوافر، وفقاً للمعلومات المنشورة، تفاصيل كافية لحسم طبيعة كل طلب أو إثبات أن التدخلات المشتبه بها شكلت مخالفة قانونية.

وتكتسب هذه النقطة أهميتها من طبيعة موقع سنهاجي السابق؛ فالعلاقات التي أقامها خلال عمله الأمني قد تتيح له الوصول إلى جهات أو تقديم مساعدات يصعب على الآخرين الحصول عليها بالوسائل المعتادة. لكن إثبات استغلال تلك العلاقات بصورة غير قانونية يتطلب أدلة تتجاوز مجرد وجود تواصل أو طلب خدمة.

ماذا تعني صفة «الشاهد المساعد» التي مُنحت لها؟

بعد الاستماع إلى العماري، قرر قضاة التحقيق منحها صفة «الشاهد المساعد» (Témoin assisté)، بدلاً من وضعها قيد التحقيق الرسمي بصفتها متهمة.

وتُستخدم هذه الصفة في النظام القضائي الفرنسي عندما توجد مؤشرات تستدعي إشراك الشخص في التحقيق، من دون أن تكون الشروط اللازمة لتوجيه اتهام رسمي قد تحققت في تلك المرحلة.

وتمنح الصفة صاحبها حقوقاً إجرائية، من بينها الاستعانة بمحامٍ، لكنها لا تعني صدور حكم ببراءته أو إغلاق التحقيق المتعلق بالوقائع التي ورد اسمه بشأنها.

وبذلك، فإن عدم توجيه اتهام رسمي إلى العماري في الوقت الحالي لا يحسم بصورة نهائية موقف القضاء منها. فقد تستمر في الصفة نفسها، وقد يتغير وضعها إذا ظهرت أدلة جديدة تستوفي الشروط القانونية، كما يمكن أن ينتهي التحقيق من دون توجيه اتهام إليها.

ويظل الفارق الأساسي أن القضاء لم يوجه إليها، وفقاً للتقارير المنشورة، اتهاماً رسمياً في هذه المرحلة.

ما علاقة كيليان مبابي بالقضية؟

ورد اسم مبابي في التحقيق على خلفية معاملات مالية وعلاقته بسنهاجي، وبحسب تقارير صحفية فرنسية، استمعت الشرطة إلى مبابي بشأن تبرع بقيمة 60 ألفاً و300 يورو قدمه إلى سنهاجي في يونيو/حزيران 2023. وأشارت التقارير إلى أن المبلغ كان مرتبطاً بالمكافأة التي حصل عليها اللاعب بعد مشاركته في كأس العالم 2022.

كما تناولت التحقيقات رحلة مبابي إلى الكاميرون في عام 2023، التي رافقه خلالها سنهاجي، في محاولة لتحديد طبيعة دور المسؤول السابق خلال الرحلة وما إذا كان قد قدم خدمات خاصة خارج إطار عمله الرسمي.

وتبحث السلطات كذلك في معاملات مالية أخرى نسبت تقارير إلى سنهاجي حصوله عليها من لاعبين وشخصيات في الوسط الرياضي.

ولا يثبت التبرع، أو مرافقة المسؤول السابق للاعب في رحلة، وقوع مخالفة في حد ذاتهما. ويتمثل السؤال الذي يسعى التحقيق إلى الإجابة عنه في طبيعة العلاقة بين الطرفين، وما إذا كانت الأموال أو الخدمات مرتبطة بأي تصرف غير مشروع.

هل تطال القضية شخصيات أخرى في الكرة الفرنسية؟

لا يقتصر التحقيق على مبابي ووالدته، إذ أوردت تقارير صحفية أسماء شخصيات رياضية وعامة أخرى في سياق الاستماع إلى أطراف أو فحص العلاقات التي أقامها سنهاجي.

ومن بين الأسماء التي وردت في التغطيات فرانك ريبيري، ونويل لو غريت، وفيليب ديالو، وجمال دبوز.

كما تحدثت تقارير عن إخضاع ضابط شرطة سابق آخر للتحقيق الرسمي، للاشتباه في تدخله عبر علاقاته لمساعدة العماري في ملف خاص.

ويحاول المحققون، من خلال فحص هذه العلاقات، تحديد ما إذا كانت هناك شبكة من الخدمات والمصالح المتبادلة، أم أن الوقائع تتعلق بمعاملات منفصلة تختلف ظروفها وطبيعتها القانونية من شخص إلى آخر.

وتبقى الإشارة إلى اسم أي شخصية في التحقيق مختلفة عن توجيه اتهام إليها، كما أن الخضوع للتحقيق لا يعني ثبوت المسؤولية الجنائية.

ما الخطوة التالية في القضية؟

من المتوقع أن يواصل قضاة التحقيق فحص المستندات المالية والمراسلات والطلبات المرتبطة بالخدمات التي يُشتبه في أن سنهاجي قدمها، إلى جانب مقارنة أقوال الأطراف بالأدلة المتاحة.

وقد تؤدي النتائج إلى تثبيت الوضع القانوني الحالي لبعض الأشخاص، أو تغيير صفة آخرين إذا ظهرت أدلة جديدة، أو استبعاد بعض الوقائع من الملف إذا لم تتوافر أدلة كافية بشأنها.

وبعد استكمال التحقيق، يمكن أن يقرر القضاء إحالة الأشخاص الذين تتوافر أدلة كافية ضدهم إلى المحاكمة، أو إنهاء الإجراءات بالنسبة إلى من لا توجد أدلة كافية لمواصلة الملاحقة بحقهم.

وتعكس القضية جانباً حساساً من العلاقة بين المسؤولين العاملين في المؤسسات الرياضية والنجوم الذين يتعاملون معهم، خصوصاً عندما تتداخل الصلات المهنية مع المصالح الشخصية والمعاملات المالية.

فإذا أثبت التحقيق أن مسؤولاً استخدم موقعه أو نفوذه لتقديم خدمات غير مشروعة مقابل منافع، فقد تتجاوز القضية حدود العلاقة الشخصية لتصبح مسألة تتعلق بالنزاهة واستغلال الوظيفة.

لكن حسم ذلك يظل من اختصاص القضاء. وحتى الآن، يتمثل التطور الأبرز في استجواب فايزة العماري ومنحها صفة الشاهد المساعد، في وقت يستمر فيه التحقيق الأساسي بشأن سنهاجي وعلاقاته المالية والمهنية.

والسؤال الذي سيحدد المسار المقبل للقضية هو ما إذا كانت الأدلة ستكشف عن مخالفات محددة يمكن إسنادها إلى أشخاص بعينهم، أم أن بعض العلاقات والمعاملات ستبقى خارج نطاق المسؤولية الجنائية.