قد يترك فيروس أثرًا في الحمض النووي يستمر ملايين السنين، وربما يمتد تأثيره إلى الطريقة التي ينمو بها الدماغ، وهذا ما توصلت إليه دراسة حديثة رصدت بقايا فيروس قديم في جينات الشمبانزي، وكشفت كيف أسهمت في تعطيل جين يرتبط بنمو الخلايا العصبية ونضجها.
وعلى الرغم من انحدار الإنسان والشمبانزي من سلف مشترك قبل نحو 5 إلى 6 ملايين عام، لا يتجاوز الاختلاف بين حمضهما النووي 1.2%، ومع ذلك يبلغ حجم دماغ الإنسان نحو 3 أضعاف حجم دماغ الشمبانزي، وهو فارق يدفع العلماء إلى البحث عن التغييرات الجينية الدقيقة التي ربما أسهمت في رسم مسارين مختلفين لتطور الدماغ.
وتشير الدراسة المنشورة في دورية «Science Advances» إلى أن فيروسًا قديمًا يُعرف باسم PTERV1 أصاب أسلاف الشمبانزي قبل نحو 4 ملايين عام، وترك أجزاء من مادته الوراثية داخل جينومهم، ويبدو أن هذا الأثر عطل نشاط جين يساعد على نمو الخلايا العصبية، في حين ظل الجين نشطًا لدى الإنسان، ما يقدم تفسيرًا محتملًا لأحد أوجه الاختلاف بين النوعين من دون أن يحسم أسبابه كاملة.
جين تعطل لدى الشمبانزي
انطلقت الباحثة الرئيسية باتريشيا جيرديس، المتخصصة في الوراثة الجزيئية العصبية بجامعة لوند السويدية، وفريقها من سؤال عن الكيفية التي تطورت بها أدمغة الإنسان والشمبانزي على نحو مختلف، رغم التشابه الكبير بين الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات لدى النوعين، ولفت انتباههم فيروس PTERV1 لأنه موجود لدى الشمبانزي وغيره من القردة الإفريقية العليا، بينما لا يوجد لدى الإنسان.
وتكمن أهمية هذه البقايا الفيروسية في أن الفيروسات القهقرية تستطيع إدخال أجزاء من حمضها النووي إلى جينوم الكائن المصاب، وقد تؤثر هذه الأجزاء في نشاط الجينات المجاورة، وهو ما قاد الباحثين إلى فحص الجين LINC00662 الموجود لدى الإنسان والشمبانزي، والذي رصدوا نشاطه خلال المراحل المبكرة من نمو الدماغ البشري.
وتشير تجارب الفريق إلى أن هذا الجين يساعد الخلايا العصبية على النضج وتكوين امتداداتها، بما يشمل المحاور العصبية والتغصنات التي تنقل المعلومات داخل الدماغ، لكن إدراج الفيروس القديم في الحمض النووي للشمبانزي عطل نشاط الجين، ما دفع الباحثين إلى اختبار أثر ذلك في نمو الخلايا العصبية.
ماذا كشفت التجارب؟
استخدم الفريق عضيات دماغية بشرية، وهي تجمعات صغيرة من الخلايا تُنمى في المختبر لمحاكاة بعض جوانب نمو الدماغ، وعندما عطل الباحثون نشاط LINC00662، لم تنضج الخلايا العصبية ولم تنمُ امتداداتها بالمعدل نفسه الذي سجلته الخلايا التي ظل الجين نشطًا لديها.
وقدمت التجربة دليلًا على أهمية الجين في نمو الخلايا العصبية، لكنها لا تثبت أن تعطيله وحده يفسر اختلاف حجم دماغ الإنسان عن الشمبانزي أو التباينات الأخرى في بنيته، إذ لم تحدد الدراسة جميع وظائف الجين ولا الآثار الكاملة لفقدان نشاطه لدى الشمبانزي.
وأزال الباحثون الإدراج الفيروسي أيضًا من خلايا جذعية للشمبانزي، فاستعاد الجين نشاطه، وهو ما يدعم استنتاجهم بأن البصمة الفيروسية تسهم في تعطيله، لكن استعادة نشاط الجين لا تعني أن إزالة هذا الأثر ستغير تطور الدماغ أو تجعله شبيهًا بدماغ الإنسان.
لماذا لم يُصب أسلاف البشر بالفيروس؟
لا يعرف العلماء حتى الآن لماذا لم يصل الفيروس إلى أسلاف البشر، رغم إصابته أنواعًا أخرى من القردة الإفريقية العليا، ويحتمل أن يكون بروتين مضاد للفيروسات لدى الإنسان قد وفر الحماية اللازمة، كما يحتمل أن أسلاف البشر والشمبانزي عاشوا في مناطق مختلفة عندما انتشرت العدوى.
وتوضح جيرديس أن إصابة الإنسان بالإدراج الفيروسي نفسه ربما كانت ستعطل الجين وتغير نمو خلايا الدماغ، لكنها تؤكد أن ذلك لا يسمح بالتنبؤ بشكل محدد للدماغ أو قدراته أو سلوكه، لأن النتيجة قد تتأثر أيضًا بالجينات المحيطة وبقية العوامل الوراثية والنمائية.
ولا تثبت الدراسة أن الفيروس تسبب في انفصال المسارين التطوريين للإنسان والشمبانزي، ولا أن جينًا واحدًا يفسر الفارق بين دماغيهما، لكنها تضيف دليلًا على أن الفيروسات القديمة ربما أسهمت في تشكيل بعض الاختلافات الوراثية التي تراكمت عبر ملايين السنين، تاركة أثرًا صغيرًا في الحمض النووي قد يمتد تأثيره إلى الطريقة التي ينمو بها الدماغ.




